[ ١٠ / ٦ ]
حدثنا هناد قال: حدثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما.
قال أبو عيسى: وفي الباب عن الربيع.
قال أبو عيسى: وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يرون مسح الأذنين ظهورهما وبطونهما.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"باب: ما جاء في مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما" في مسح الأذنين ظاهرهما بدل بعض من كل، وباطنهما معطوف عليه.
يقول: "حدثنا هناد" وهو ابن السري، ثقة حافظ "قال: حدثنا عبد الله بن إدريس" يزيد بن عبد الرحمن الأودي الكوفي، ثقة أيضًا، توفي سنة اثنتين وتسعين ومائة "عن محمد بن عجلان" المدني، وهو صدوق من الخامسة، "عن زيد بن أسلم" العدوي مولاهم، ثقة أيضًا "عن عطاء بن يسار" الهلالي المدني ثقة "عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما" ظاهرهما بدل من الأذنين، على ما جاء في الترجمة، والظاهر هو الخارج مما يلي الرأس، والباطن الداخل، داخال الأذنين، وجاءت الكيفية في صحيح ابن حبان من حديث ابن عباس أيضًا أن النبي -ﷺ- توضأ فغرف غرفة فغسل وجهه .. الحديث، وفيه: "ثم غرف غرفة فمسح برأسه وأذنيه داخلهما وخارجهما" داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهرهما، يمسح ظاهرهما وباطنهما، هذه كيفية مسح الأذنين، يدخل السبابتين في الأذنين، وأما الإبهامان فللظاهر هكذا، يعني طريقة سهلة ما تكلف شيء، وهذه الطريقة واردة عن النبي -﵊-، وهو حديث صححه ابن خزيمة وغيره.
"قال أبو عيسى: وفي الباب عن الربيع بنت معوذ" مخرج عند أبي داود والترمذي والحاكم.
[ ١٠ / ٧ ]
"قال أبو عيسى: وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وصححه ابن خزيمة وابن مندة "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم يرون مسح الأذنين ظهورهما وبطونهما" باعتبار أنهما من الرأس على ما سيأتي من الباب الذي يليه، فالأذنان تمسحان مع الرأس، ومن أهل العلم على ما سيأتي من يقرر على أنهما من الوجه، فيجب غسلهما مع الوجه على ما سيأتي، نعم.
الباب الذي يليه:
حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة قال: توضأ النبي -ﷺ- فغسل وجهه ثلاثًا، ومسح برأسه، وقال: «الأذنان من الرأس».
قال أبو عيسى: قال قتيبة: قال حماد: لا أدري هذا من قول النبي -ﷺ- أو من قول أبي أمامة.
قال: وفي الباب عن أنس.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ليس إسناده بذاك القائم، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- ومن بعدهم أن الأذنين من الرأس، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس، قال إسحاق: واختار أن يمسح مقدمهما مع الوجه، ومؤخرهما مع رأسه.
وقال الشافعي: هما سنة على حيالهما يمسحهما بماء جديد.
يقول: "باب: ما جاء أن الأذنين من الرأس"
قال: "حدثنا قتيبة قال: حدثنا حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة" قتيبة ثقة قتيبة بن سعيد تقدم، وحماد بن زيد بن درهم ثقة أيضًا تقدم، وسنان بن ربيعة الباهلي البصري، صدوق فيه لين، يعني لا يقبل حديثه إلا حيث يتابع "عن شهر بن حوشب" الأشعري الشامي، كلام أهل العلم فيه كثير جدًا، وهو مضعف عند الأكثر، والمتوجه تضعيفه شهر بن حوشب، وأما سبب تضعيفه فالخلاف معروف عند أهل العلم، والقصة المذكورة التي قد تثبت وقد لا تثبت، والذي يغلب على الظن عدم ثبوتها، وهي سرقة الخريطة حتى قال قائلهم:
لقد باع شهر دينه بخريطة فمن يأمن القراء بعدك يا شهر
[ ١٠ / ٨ ]
فمثل هذا يروج على الناس، يعني لو ظهر إشاعة حول شخص من أهل العلم والفضل يروجها بعض الناس حتى يقول القائل من الشعر ما يقول، فتنطلي على الناس وتروج، والذي يغلب على الظن أنها غير ثابتة، وضعفه عند أهل العلم معروف، في مقدمة مسلم عن ابن عون قال: إن شهرًا نزكوه، نزكوه يعني اتهموه بالنيزك، المقصود أنه الغالب عليه الضعف، والشيخ أحمد شاكر –﵀- شدد في مسألة توثيقه، وأنه لا حجة بمن قال بضعفه، وكلام أهل العلم فيها كثير، والمرجح تضعفيه، وإن كان حديثه مما يعتبر به ويعتد به في الشواهد لا مانع من ذلك.
"عن أبي أمامة قال: توضأ النبي -ﷺ- فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح برأسه وقال: «الأذنان من الرأس» " يعني فيمسحان معه لا من الوجه فيغسلان معه.
"قال أبو عيسى: قال قتيبة: قال حماد" يعني ابن زيد: "لا أدري هل هذا" يعني قوله: «الأذنان من الرأس» هل هو "من قول النبي -ﷺ- أو من قول أبي أمامة" يعني هل مدرج من قول أبي أمامة أو ثابت في أصل الحديث؟ يقول حماد: لا أدري هو سمعه ممن فوقه عن سنان بن ربيعة عن شهر عن أبي أمامة، لكن هل هو مرفوع إلى النبي -﵊- أو مدرج من قول أبي أمامة؟ يقول ابن حجر: ورد أن الأذنين من الرأس بثمانية أحاديث، فذكر منها حديث أبي أمامة، وبين أن قوله: "الأذان من الرأس" مدرج من قول أبي أمامة، ولم يثبت رفعه إلى النبي -﵊- في هذا الحديث.
"قال: وفي الباب عن أنس" أخرجه الدارقطني، وفيه ضعف.
[ ١٠ / ٩ ]
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن ليس إسناده بذاك القائم" حسنه، هو ليس إسناده بذاك القائم، يعني ليس بالقوي، يعني إذا كان إسناده ليس بالقوي كيف يحسن؟ كيف يحسن إسناده وهو ليس بالقائم؟ إذا عرفنا الشروط التي اشترطها الإمام الترمذي لتحسين الحديث وهي: ألا يكون الحديث شاذًا، ولا يكون في رواته من يتهم بالكذب، وأن يروى من غير وجه، بهذه الشروط يصفه الإمام الترمذي بأنه حسن، لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ما في من يتهم بالكذب، فيه ضعيف، لكن ليس فيه من يتهم بالكذب، يعني فيه الضعيف دون الاتهام بالكذب، وليس الحديث بشاذ؛ لأنه روي من طرق له من يؤيده، ولا يوجد ما يعارضه، فلا يحكم عليه حينئذٍ بالشذوذ، ويروى من غير وجه، والأذنان من الرأس ورد في ثمانية أحاديث كما قرر ذلك الحافظ ابن حجر، هذا سبب حكم الإمام الترمذي عليه بالحسن، وأما قوله: ليس إسناده بذاك القائم، يعني ليس بالقوي.
[ ١٠ / ١٠ ]
قال ابن دقيق العيد في (الإمام) هذا الحديث معلول بوجهين، يعني له أكثر من علة، معلل بعلتين، الكلام في شهر بن حوشب هذه العلة الأولى، الثانية: الشك في رفعه، ثم قوى شهرًا بذكر من وثقه، ورجح أن الحديث حسن، هذا ابن دقيق العيد في كتابه: (الإمام) له كتب ابن دقيق العيد منها (الإمام) ومنها: (الإلمام) ومنها: (شرح الإلمام) ثلاثة كتب، (الإلمام) مطبوع في مجلد متداول ومعروف مطبوع من أربعين سنة تقريبًا، وهو أصل (المحرر) لابن عبد الهادي؛ لأنه مختصر منه، ومطبوع ولا ذكر له عند طلاب أهل العلم، يعني ما لا يتداولونه ولا يقرؤونه، والشيوخ لا يقرؤونه؛ لأنه يذكر المتون كاملة، والطلاب بحاجة إلى من يختصر لهم المتون كالبلوغ وغيره، يعني يحتاج إلى أن يقتصر إلى موضع الشاهد، بسطر بنصف سطر بسطرين بقدر الحاجة، وأما بالنسبة لـ (للإلمام) يسوق الحديث كاملًا، وهذا يصعب استيعابه أو حفظه على طلاب العلم، وإلا فهو أصل كتاب ابن عبد الهادي (المحرر)، و(المحرر) لو قال قائل: بأنه أصل البلوغ لما بعد، هذا (الإلمام) متن في أحاديث الأحكام مطبوع ومشهور ومتداول، و(الإمام) متن في أحاديث الأحكام لكنه أوسع من (الإلمام)، متن معلل ذكرت فيه علل الأحاديث، وهو أشبه ما يكون بكتب العلل، كتاب نفيس جدًا، أما شرح الإلمام فهذا أيضًا شرح مستفيض، أطال فيه النفس ابن دقيق العيد على عادته، وعادت ابن دقيق العيد في الشرح تختلف اختلاف جذري عن طريقة ابن رجب، يعني ابن رجب يعني لو وازنا بين ابن دقيق العيد وابن رجب وجدنا ابن رجب يشرح النصوص بأقاويل السلف فقط، قد يتصرف وقد يجمع بين النصوص، قد يستعمل بعض القواعد، لكن ما هو مثل ابن دقيق العيد، ابن دقيق العيد يحشد العلوم كلها لفهم الحديث، وهذه ميزته، يعني طالب العلم الذي يتخرج على شرح العمدة له بحيث لا يشكل عليه فيه شيء يستحق أن يقال: إنه طالب علم يستطيع أن يشرح ما يشكل من الأحاديث، والكتاب صغير، يعني في مجلدين صغار، لكن يحتاج إلى فهم، فهم لكلام ابن دقيق العيد، وفيه شيء من الوعورة والصعوبة، لكن إذا تخرج عليه طالب العلم يسهل عليه ما دونه، ابن دقيق العيد ذكر العلتين، والأولى هي ضعف شهر بن حوشب والكلام
[ ١٠ / ١١ ]
فيه، ثم بعد ذلك عاد فقواه بذكر من وثقه، والثانية: الشك في رفعه ووقفه، ثم حكم على الحديث بأنه حسن، الشيخ أحمد -﵀- بالنسبة لشهر بن حوشب أطال الكلام، وقال عن الحديث: الحديث رواه أبو داود عن مسدد وقتيبة عن حماد بن زيد، ونقل الشك يعني في رفع الأذنان من الرأس، ونقل شك حماد كما نقله الترمذي يعني أبا داود ورواه عن أيضًا عن سليمان بن حرب عن حماد وقال: قال سليمان بن حرب يقولها أبو أمامة، يعني فجزم بأنها مدرجة، وروى ابن ماجه عن محمد بن زياد عن محمد بن زيد بإسناده بلفظك أن رسول الله -ﷺ- قال: «الأذنان من الرأس» فجزم بأنها مرفوعة، وكان يمسح رأسه مرة، وكان يمسح الماقين، وهذا اللفظ لا يحتمل أن تكون كلمة الأذنان من الرأس مدرجة في الحديث، لا يحتمل أن تكون كلمة الأذنان من الرأس مدرجة في الحديث، يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «الأذنان من الرأس» وكان يمسح رأسه مرة، وكان يمسح الماقين، إذا كان الإدراج في أول الخبر كما هنا، يعني: "الأذنان من الرأس" احتمال تكون مدرجة وأن تكون من كلامه -﵊-، الشيخ أحمد يقول: ما دامت في أول الخبر كما هنا، والقول مسلط عليها لا يحتمل أن تكون مدرجة، الإدراج عند أهل العلم أكثر ما يكون في أخر الخبر، أكثر ما يكون في أخر الحديث، وقد يكون في أثنائه وهو أقل، وقد يكون في أوله وهو نادر، فإذا كان حديث: "أسبغوا الوضوء «ويل للأعقاب من النار» أسبغوا الوضوء المقرر أنها مدرجة؛ لأنه جاء الفصل "أسبغوا الوضوء" وفي بعض الروايات: "فإن أبا القاسم -ﷺ- قال: «ويل للأعقاب من النار» " فلا مانع أن يكون الإدراج في أول الخبر، الشيخ أحمد لما رأى القول قول النبي -﵊- مسلط على هذه الجملة قبل غيرها يمتنع عنده الإدراج، نعم إذا لم يوجد نص يفصل الكلام ويبين المدرج فالذي يغلب على الظن أنه كله مرفوع، أن كل الخبر مرفوع، لا سيما إذا كان الإدراج في أول الخبر والقول مسلط عليه، لكن إذا كان في مثل قوله -﵊-، منسوب إلى النبي، قال رسول الله -ﷺ-: "أسبغوا الوضوء «ويل للأعقاب من
[ ١٠ / ١٢ ]
النار» جاء في بعض الروايات قال أبو هريرة: "أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم -ﷺ- قال: «ويل للأعقاب من النار» عرفنا أن الصحابي يدرج من غير بيان، وهذا لا شك أنه في عصور الرواية لا يخفى، في عصور الرواية لا يخفى، لكن بعد ذالك يخفى على المتعلمين المزيد من الأصل، فلا بد من البيان، وقد يسر الله وقيض لهذا العلم من يقوم به وينو به، ويبين الألفاظ الثابتة عن النبي -﵊- والمزيدة في كلامه.
يقول: هذا اللفظ يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «الأذنان من الرأس» وكان يسمح رأسه مرة ويمسح الماقين، وهذا اللفظ لا يحتمل أن تكون كلمة: "الأذنان من الرأس" مدرجة في الحديث، وبينا أنه لا مانع، بل وجد الإدراج في أول الحديث، بل هو نص في أنها من اللفظ النبوي، يعني لو لم يوجد في الروايات الأخرى ما يدل على أنها مدرجة فالقطع في بأنها مرفوعة لا إشكال فيه، لكن جاء ما يدل على أنها مدرجة والإدراج في أول الخبر وجد من بعض الصحابة، إذًا ما المانع من أن تكون مدرجة ولو كانت في صدر الخبر؟ بل هو نص في أنها من اللفظ النبوي، وقد أطال العلماء البحث في هذه الكلمة، وهل هي مدرجة من كلام أبي أمامة أو مرفوعة؟ ورجح كثير منهم الإدراج، يعني أنها من قول أبي أمامة، انظر التلخيص ونصب الراية، والراجح عندي أن الحديث صحيح، فقد روي من غير وجه بأسانيد بعضها جيد، ويؤيد بعضها بعضًا، ونقل الزيلعي في نصب الراية عن كتاب (الإمام) لابن دقيق العيد أنه قال في حديث أبي أمامة: وهذا الحديث معلول بوجهين:
أحدهما: الكلام في شهر بن حرشب، والثاني: الشك في رفعه، ولكن شهرًا وثقه أحمد ويحيى والعجلي ويعقوب بن شيبة، وسنان بن ربيعة اخرج له البخاري وهو وإن كان قد لين فقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال ابن معين: ليس بالقوي، فالحديث عندنا حسن، والله أعلم، هذا كلام ابن دقيق العيد.
[ ١٠ / ١٣ ]
ثم نقل عن البيهقي في سننه أنه قال: حديث: «الأذنان من الرأس» أشهر إسناد فيه حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة، يعني حديث الباب، وكان حماد يشك في رفعه في رواية قتيبة عنه، فيقول: لا أدري من قول النبي -ﷺ- أو من قول أبي أمامة، وكان سليمان بن حرب يرويه عن حماد بن زيد ويقول: هو من قول أبي أمامة، ثم قال الزيلعي: قلت: وقد اختلف فيه على حماد فوقف ابن حرب عنه ورفعه أبو الربيع، واختلف أيضًا فيه على مسدد عن حماد فروي عنه الرفع، وروي عنه الوقف.
وإذا رفع ثقة حديثًا ووقفه أخر، أو فعلهما شخص واحد في وقتين ترجح الرفع أو يرجح الرافع؛ لأنه أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الرجل حديثًا فيفتي به في وقت ويرفعه في وقت أخر، وهذا أولى من تغليط الراوي ثم نقل حديث: «الأذنان من الرأس».
الشيخ أحمد شاكر جرى على طريقة المتأخرين في الحكم بحكم عام مضطرد لكل زيادة، لكن هذا ليس بلازم، وليس عليه عمل الأئمة، ثم نقل حديث: «الأذنان من الرأس» من حديث عبد الله بن زيد مرفوعًا في سنن ابن ماجه، وقال: هذا أمثل إسناد في الباب لاتصاله وثقة رواته، وهو كما قال، ثم نقله من حديث ابن عباس مرفوعًا أيضًا من سنن الدارقطني من طريق أبي كامل الجحدري عن غندر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ثم قال: قال ابن القطان: إسناده صحيح لاتصاله وثقة رواته.
[ ١٠ / ١٤ ]
قال: وأعله الدارقطني بالاضطراب في إسناده، وقال: إن إسناده وهم وإنما هو مرسل، ثم أخرجه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي -ﷺ- مرسلًا، وتبعه عبد الحق في ذلك، وقال: إن ابن جريج الذي دار الحديث عليه يروي عنه عن سليمان بن موسى عن النبي -﵊- مرسلًا، قال: وهذا ليس بقدح فيه، وما يمنع أن يكون فيه حديثان مسند ومرسل انتهى، ثم قال الزيلعي: فانظر كيف أعرض البيهقي عن حديث عبد الله بن زيد وحديث ابن عباس هذين، واشتغل بحديث أبي أمامة، وزعم أن إسناده أشهر لهذا الحديث، وترك هذين الحديثين وهما أمثل منه، ومن هنا يظهر تحامله، وكتب الحافظ ابن حجر بخطه على نسخة نصب الراية المحفوظة بدار الكتب المصرية ما نصه: البيهقي إنما قال: إن حديث أبي أمامة أشهرهما، ولا يلزم من الشهرة الصحة ولا غيرها، وأما كون حديث ابن عباس وابن زيد أمثل منه فلا يلزم منه الشهرة الموجودة في حديث أبي أمامة فتأمله.
يعني لا ملازمة بين الشهرة والصحة، وهذا من الحافظ تكلف واضح في الدفاع عن البيهقي، ولكن يفهم منه أنه موافق على صحة حديثي ابن عباس وعبد الله بن زيد، والذي قاله الزيلعي دقيق مطابق للقواعد الصحيحة عند علماء هذا الفن، انتهى كلامه -﵀-، ولا شك أنه متساهل في توثيق بعض الرواة، وقد ضبطنا عليه في قسمه الذي حققه من جامع الترمذي توثيق أكثر من عشرين راوي، أكثر من عشرين راوي يوثقهم جمهور الأئمة على تضعيفهم، وعلى كل حال الحديث فيه العلتان التي هي ضعف شهر بن حوشب، وفيه أيضًا الاختلاف في الرفع والوقف.
يقول الترمذي: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ-، ومن بعدهم أن الأذنين من الرأس فيمسحان معه، وهو القول الراجح" هذا الراجح أنهما من الرأس، ويمسحان معه "وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" وأبو حنيفة "وقال بعض أهل العلم: ما أقبل من الأذنين" يعني ما أقبل من جهة الوجه "فمن الوجه، وما أدبر" يعني من القفا "فمن الرأس" وإليه ذهب الشعبي والحسن بن صالح بن حي، وفي هذا حديث ذكره الطحاوي في شرح معاني الآثار عن علي لكن فيه مقال وضعفه البخاري.
[ ١٠ / ١٥ ]
"قال إسحاق: وأختار أن يسمح مقدمهما مع الوجه، ومؤخرهما مع رأسه، وقال الشافعي: هما سنة على حيالهما يمسحهما بماء جديد" سنة مستقلة بماء جديد، يعني بالنسبة للرأس أو للوجه لا تابعة لا للرأس ولا للوجه، وإنما هي سنة مستقلة تمسح بماء جديد، وهذا هو الذي دعا البيهقي أن يقول ما يقول، ويرجح حديث أبي أمامة على غيره؛ لأن حديث أبي أمامة مختلف في رفعه ووقفه، وإذا اختلف في رفعه ووقفه احتمال أن يرجح الوقف كما رجح ابن حجر وغيره، وأنها مدرجة، فلا يعارض قول إمامهم؛ لأن البيهقي شافعي، وابن حجر شافعي فيضطرون إلى ترجيح مثل هذا، وهذا هو التعصب الذي أشار إليه الزيلعي من البيهقي، وأشار إليه الشيح أحمد شاكر بالنسبة للحافظ ابن حجر.
فكأنهما قال: هما يؤيدان المذهب "وقال الشافعي هما سنة على حيالهما يمسحهما بماء جديد" وقال بعض أهل العلم: هما من الوجه لا من الرأس، يعني وجه الشبه بكونهما من الوجه ما فيه إلا أنهما مكشفتان مثل الوجه بدون شعر، والرأس مغطى بالشعر، فوجه الشبه بينهما يعني لو قلنا: نحتاج إلى قياس الشبه، إذا قررنا أن الأذنين فرع، وليس بأصل مستقل برأسه، ليس من فروض الوضوء المستقلة المعروفة، فهي فرع، وثبت أن النبي -﵊- كان يمسحهما، فهما فرع، فرع متردد بين أصلين، إذا تردد الفرع بين أصلين يلحق هذا الفرع بأي شيء بأقربهما شبهًا، وهذا يسمى عند أهل العلم قياس الشبه، أيهما أشبه بالأذنين الوجه أو الرأس؟ الوجه أشبه؛ لأنه مكشوف بدون شعر، لكن فيه شعر بالنسبة للعارضين بالنسبة للحية؛ لأنه من مسمى الوجه، لكن هما الأذنان أقرب إلى الوجه شبهًا من الرأس، فإذا استعملنا قياس الشبه قلنا: هما من الوجه، كما قال هؤلاء، قال بعضهم: هما من الوجه فيغسلان معه، وإليه ذهب الزهري وداود.
[ ١٠ / ١٦ ]
دليل هذا القول، هم ما اعتمدوا على قياس الشبه، لكن من باب ما يدعم به القول إذا أمكن أن يدعم أي قول من الأقوال بدليل لم يطلع عليه أصحاب القول أو بقاعدة عند أهل العلم، أو بأصل من الأصول يمكن أن يلحق به تستقصى المسالة، وإلا هم ما استعملوا قياس الشبه، استدلوا بما رواه أصحاب السنن عن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- كان يقول في سجوده: «سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره» فأضيف السمع إلى الوجه، كما أضيف البصر إليه، يعني بعض الناس ينزع منزع بعيد، بعيد جدًا قد يستغرب كيف طرأ على باله يستدل بمثل هذا الحديث؟! هذه دقة في الاستنباط، لكن يبقى أن هل مثل هذا النص على بعده عن محل الخلاف هل هو أقرب من الأحاديث التي نصت على غسل ..، على أحاديث الوضوء أقل الأحوال، يعني هذا باب باب السجود غير باب الوضوء، باب السجود باب مستقل، يعني مثل من يقرر أن الحائض تقرأ القرآن، الحائض تقرأ القرآن لماذا؟ قال: لأن النبي -﵊- قال لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» الحاج يقرأ القرآن إذًا تقرأ الحائض القرآن، يعني هل في هذا مستمسك لمن يقول: إن الحائض تقرأ القرآن؟ بعد الحاج يصلي تصلي؟! الحاج إذا لم يجد هدي يصوم تصوم؟! إذا لم نستثنِ إلا ما استثناه النبي -﵊- قلنا: إن الحاج تصلي وتصوم إذًا الحائض تصلي وتصوم، إذا منعت من الصلاة ومن الصيام بالأدلة بالنصوص الصحيحة الصريحة فلئن تمنع من غيرها من غير الصلاة والصيام، يعني نغرب في الاستدلال، إغراب هذا في الاستدلال وإبعاد وسعة في الخطو كوننا نستعمل أعم العمومات في مسألة خاصة، وعندنا من الأدلة ما يمكن أن نبني عليه ما هو أقرب من هذا، فعندنا أحاديث الباب وأحاديث الوضوء وأن النبي -﵊- مسح على الأذنين بما بقي من مسح الرأس، والأدلة في هذا متكاثرة، نذهب إلى حديث السجود سجود التلاوة نعم قال في سجود القرآن: «سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره» فإضافة السمع إلى الوجه كإضافة البصر إلى الوجه، فما دامت العينان من الوجه إذًا الأذنان من الوجه بمقتضى هذا الحديث، لكن يأتي أن كونه
[ ١٠ / ١٧ ]
من الوجه هل يلزم غسلهما أو مسحهما؟ العنان من الوجه إجماعًا، لكن هل يلزم غسل العينين؟ يعني إذا غسلنا ظاهر العنين يعني البشرة التي تغطي الأجفان مثلًا هل يلزم أن ندخل الماء داخل العنين كما يطلب هنا أن ندخل الماء داخل الأذنين؛ لأننا إذا قلنا: أنهما من الوجه لزمنا أن نغسلهم كغسل الوجه، وهل قال أحد بغسل داخل العنين من أجل أن نقول بغسل داخل الأذنين لأنهما من الوجه؟ ما فعل هذا إلا ابن عمر وعمي بسبب ذلك ولا وافقه أحد، وهذا من احتياطه، قالوا: وليس بصريح، ولم يثبت أن النبي -﵊- غسل الأذنين، بل ثبت عنه المسح، ولو كان تبعًا للوجه لغسل مثله، ومما يدل على أنهما من الرأس قوله في حديث الصنابحي الذي تقدم: «فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه» أيهما أقرب هذا الحديث أو حديث: «سجد وجهي»؟ هذا أقرب بكثير، قال ابن القيم في الهدي: لم يثبت عنه -﵊- أنه أخذ له ماء جديدًا، وإنما صح ذلك عن ابن عمر، وفعل ابن عمر ذكره مالك في الموطأ يعني أخذ له ماء جديد وغسلهما غسل كما غسل داخل الأذنين وهذا من مخالفته -﵁ وأرضاه-، وعلى كل حال المرجح والمختار هو قول جمهور أهل العلم، وأنهما من الرأس ويمسحان تبعًا له، نعم.
عفا الله عنك.