حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله -ﷺ- وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب، قال: فقال رسول الله -ﷺ-: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث».
[ ١٥ / ٢٨ ]
قال عبدة: قال محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار، والقلة التي يستقى فيها، قال أبو عيسى: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ما لم يتغير ريحه أو طعمه، وقالوا: يكون نحوًا من خمس قرب.
يقول -رحمه الله تعالى-: "باب: منه آخر" يعني باب منه أي من الباب السابق وأن الماء لا ينجسه شيء، لكنه أخص من الباب السابق، فالذي لا ينجسه شيء ما زاد على القلتين ليتفق مع الحديث السابق، وأما ما نقص عن القلتين فإنه يختلف عن الباب السابق.
"قال: حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة" بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت "عن محمد بن إسحاق" إمام أهل المغازي، صدوق مدلس "عن محمد بن جعفر بن الزبير" بن العوام، ثقة "عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر" بن الخطاب، شقيق سالم، ثقة أيضًا "عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله -ﷺ- وهو يسأل" والجملة حالية "عن الماء يكون في الفلاة" القفر والمفازة البعيدة في الصحراء "الماء يكون في الفلاة" جمعها: فلوات "من الأرض، وما ينوبه" عطف على الماء "وما ينوبه" أي يتردد عليه وينتابه مرة بعد أخرى "من السباع والدواب، قال ابن عمر: فقال رسول الله -ﷺ-: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» قلتين: تثنية قلة، والقلة اختلف فيها اختلاف كبير، جاء في كلام الترمذي "قال محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار" جمع جرة، وفي القاموس القلة: بالضم الحُب العظيم، يعني ما نسميه إيش؟ الزير، والجرة العظيمة وجمع القلة قلال معروفة بالحجاز، ومنه الحديث في صفة سدرة المنتهى «نبقها مثل قلال هجر» وهجر تطلق على البحرين شرق الجزيرة من الأحساء وما والاها، كما أنها تطلق على قرية قريبة من المدينة.
"هي الجرار، والقلة التي يستقى فيها" ثم قال في الأخير: "وقالوا: يكون نحوًا من خمس قرب" وخمس القرب قدرت بخمسمائة رطل عراقي، وكل هذا اعتمادًا على قول ابن جريج، قال: رأيت قلال هجر فإذا القلة تسع قربتين وشيئًا، تسع قربتين وشيئًا، وجعلوا الاحتياط أن يكون الشيء نصف، فقالوا: القلتان خمس قرب، خمس قرب.
[ ١٥ / ٢٩ ]
«إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» والخبث المراد به النجس، أي لم ينجس، كما جاء في بعض الروايات: «لم ينجس» في رواية أبي داود، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم يعني يدفعه عن نفسه، ويمتنع قبوله، ومنه قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [(٥) سورة الجمعة] أي لم يقبلوا حكمها، لم يقبلوا حكمها، فقوله: لم يحمل الخبث أي يدفعه عن نفسه.
"قال عبدة" بن سليمان الراوي عن محمد بن إسحاق "قال محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار، والقلة التي يستقى فيها، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ما لم يتغير ريحه أو طعمه" ما لم يتغير ريحه أو طعمه وأيضًا اللون، إلا أن اللون يحتملون فيه الشيء اليسير بخلاف الطعم، ويقع هذا كثير كثير جدًا في بيوت الناس الآن، في بيوت الناس إذا فتح الصنبور ثم شم الماء وجد فيه رائحة وقد يجد طعمه متغير، وقد يتغير لونه وماذا يصنعون؟ هل يقال: كل مرة تجدون مثل هذا فرغوا ما في الخزان وابحثوا عن ماء نظيف تمامًا؟ أو نقول: الاحتمالات واردة الرائحة يمكن من الجو أو يمكن من طول مكثه في الخزان أو تغير بطول المكث فيكون حكمه حكم الآجن؟ وما دام هذه الاحتمالات موجودة فلا يحكم بنجاسته، والآن الخزانات بعضها مكشوف، وبعضها يسقط فيه شيء من الطيور، ويسأل كثيرًا أقربها أمس سؤال عن أناس وجدوا الماء متغير فتوضئوا منه وصلوا أيام، ثم بعد ذلك خرج عليهم ريش فإذا الخزان فيه حمام ميت، وتغيرت رائحة الماء وطعمه، على كل حال الماء نجس، إذا وقفنا على الحقيقة لا إشكال في نجاسته، وهؤلاء وقفوا على الحقيقة، لكن المسألة فيما إذا لم يوقف على الحقيقة، والاحتمالات قائمة فالأصل الطهارة، الأصل الطهارة "وقالوا: يكون نحوًا من خمس قرب" وعرفنا اعتمادهم على قول ابن جريج.
[ ١٥ / ٣٠ ]
هذا الحديث ضعفه جماعة من أهل العلم بالاضطراب في سنده ومتنه، بالاضطراب في سنده ومتنه، فجاء في الحديث كما هنا: إذا كان الماء قلتين وجاء فيه: ثلاث قلال، وجاء فيه قلة أو قلتين، وجاء فيه قلتين أو ثلاث، وجاء فيه أربعين قلة، واختلف في مقدار القلة؟ منهم من يقول: القلة ما يستطيع أن يقله الرجل، يعني يحمله الرجل المتوسط، وقيل بقول ابن جريج على ما تقدم، وقيل: القلة المراد بها رأس الرجل، يعني إذا وصل إلى رأس الرجل صار قلة، وقال بعضهم: ما يغطي رؤوس الجبال، وعلى هذا ينبغي أن يكون كالطوفان؛ ليدفع الخبث عن نفسه، وجود مثل هذا الخلاف لا شك أنه مؤثر، كما أن الخلاف في إسناده أيضًا يوجب اضطراب الخبر، وعلى كل حال الحديث مقدوح فيه في اضطراب سنده ومتنه، وصححه جماعة من العلماء، صححه آخرون، بل قال العراقي في آماليه: صححه جم غفير، وقال الحافظ في فتح الباري: رجاله ثقات، وصححه جماعة من أهل العلم، فالحديث مختلف فيه بين التصحيح والتضعيف، مختلف فيه بين التصحيح والتضعيف، أما الذي يضعفه فلا إشكال عندهم، أنه يبقى على حديث أبي سعيد وأن الماء طهور لا ينجسه شيء، ولا يخرج من هذا العموم إلا ما يخرجه الإجماع مما تغير بلونه أو طعمه أو ريحه، والذي يصحح هذا الحديث بين أمرين: إما أن يعمل بمنطوقه ومفهومه أو يعمل بمنطوقه دون مفهومه.
العمل بالمنطوق دون المفهوم هو قول شيخ الإسلام -﵀-، يقول: الحديث صحيح، يصحح حديث القلتين، لكن مفهومه معارض بمنطوق حديث أبي سعيد، مفهومه أنه إذا كان دون القلتين يحمل الخبث معارض بحديث: «إن الماء لا ينجسه شيء» والمنطوق أقوى من المفهوم فيرجح حديث أبي سعيد عليه، ومنطوقه أنه إذا كان قلتين فأكثر أنه لا يحمل الخبث موافق لحديث أبي سعيد، ما في مخالفة إذًا يعمل بحديث أبي سعيد بمنطوقه ومفهومه وأما حديث ابن عمر في القلتين يعمل بمنطوقه دون مفهومه؛ لأنه معارض بحديث أبي سعيد، والمنطوق مقدم على المفهوم، هذا من وجه، ماذا يقول الحنابلة والشافعية؟
[ ١٥ / ٣١ ]
عرفنا أن رأي مالك لا إشكال فيه، يعمل بحديث أبي سعيد ولا يشكل عنده الماء إلا إذا تغير، الحنابلة والشافعية يقولون: ينظر فيه فإن بلغ القلتين لا يترك حتى يتغير وإن لم يبلغ القلتين فإنه بمجرد ملاقاة النجاسة ينجس، شيخ الإسلام يقول: نعمل بحديث أبي سعيد بمفهومه ومنطوقه وأما حديث ابن عمر فإننا نقتصر على منطوقه الموافق لحديث أبي سعيد، ولا نعمل بمفهومه المخالف لما هو أقوى منه وهو حديث أبي سعيد، لأن حديث أبي سعيد منطوق وهذا مفهوم.
ماذا عن الحنابلة والشافعية؟ الحنابلة عملوا بهذا الحديث بمنطوقه ومفهومه فيفرقون بين القليل والكثير، مذهب الحنفية انتهينا منه، بقي عندنا ما يتعلق بالحديث فيقولون: يعمل بمنطوقه ومفهومه إذا كان ماء كثير أكثر من قلتين فهذا لا يتأثر إلا إذا تغير عملًا بحديث ابن عمر، أما إذا كان دون القلتين فإنه يعمل بمفهومه فيتأثر بمجرد الملاقاة ولو لم يتغير.
كيف يجيبون عن عموم حديث أبي سعيد يقولون: المسألة واضحة لا شك أن حديث ابن عمر في محل الخلاف مفهوم، وحديث أبي سعيد منطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم، لكن عندنا جهة ترجيح أخرى، حديث ابن عمر خاص بما دون القلتين، يعني مفهومه خاص بما دون القلتين، ومنطوق حديث أبي سعيد عام بما دون القلتين وما فوق القلتين، والخاص مقدم على العام، كلامهم واضح وإلا ما هو بواضح؟
[ ١٥ / ٣٢ ]
يعني تخصيص العموم بالمفهوم، تخصيص العموم بالمفهوم وارد وإلا غير وارد؟ نخصص العموم بالمفهوم وإلا لا نخصص؟ العلماء يخصصون بما هو دون ذلك، المخصصات كثيرة حتى بما دون المفهوم، لكن يبقى أنه إذا كان المنطوق العام من القوة بحيث يكون محفوظ من المخصصات، وهو محافظ على قوته لا شك أنه أقوى من المفهوم، يعني عندنا مثل تحريم الربا، تحريم الربا عمومه يشمل القليل والكثير، والنهي عن أكل الربا أضعاف مضاعفة نعم خاص بالكثير، ومفهومه أن القليل لا يؤثر، فالمفهوم معارض لعموم النهي عن الربا بجملته قليلًا كان أو كثيرًا فهل نقول بالتخصيص؟ هل نقول بالتخصيص أو نقول: النص لا مفهوم له لأنه معارض بمنطوق أقوى منه؟ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [(٨٠) سورة التوبة] مفهومه أنه إذا استغفر لهم واحد وسبعين مرة أنهم يغفر الله لهم، وعموم قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِه﴾ [(٤٨) سورة النساء] يشمل ولو استغفر ألف مرة فهل نقول: يخصص العموم بالاستغفار أكثر من سبعين مرة؟ ما قال بهذا أحد من أهل العلم، فهذا يقوي قول شيخ الإسلام في إلغاء المفهوم، قد يقول قائل: إن الحديث وجوده مثل عدمه ما دام ألغينا المفهوم لا قيمة له، نعم، نقول: هو مثل قول الله -جل وعلا-: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [(٨٠) سورة التوبة] وغيره من المفهومات الملغاة، هو مثلها، وعلى هذا المترجح في هذه المسألة قول من؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٥ / ٣٣ ]
المالكية، وأن الماء لا يترك حتى يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، واختيار الحنابلة والشافعية لا شك أنه أوقع المتفقهين والعاملين في أبواب الطهارة في حرج شديد، حرج شديد، في المجموع للنووي مثلًا من الصور أنه إذا كان عندك ماء في برميل مقداره قلتان أو يزيد قليلًا ثم وقعت فيه نجاسة فأخذت منه في سطل، أخذت منه في سطل يقولون: اللي في داخل السطل طاهر ما فيه إشكال، نعم، والذي في خارجه ويتساقط منه إيش يصير؟ نجس؛ لأنه نقص عن القلتين، ظاهرة المسألة وإلا ما هي بظاهرة؟ ظاهرة، نعم الذي في داخله مأخوذ وهو أكثر من قلتين، والذي في خارجه باشر الماء ما انفصل من الماء بسرعة، باشر الماء بعد أن نقص عن القلتين، يعني هذه من الصور التي جعلت الغزالي يتمنى أن لو كان مذهب الشافعي مثل مذهب مالك، يقول: ليت الشافعي فعل مثل ما فعل مالك وخلصنا من هذه الإشكالات، يقول: ما الذي جعل في عنقك الحبل ليجره الشافعي أو غير الشافعي، وأنت عندك النصوص؟ والحمد لله الدين مبني على اليسر، فمثل هذه التعقيدات التي تذكر في كتب الفقه مما يتعلق بهذه المسألة لا شك أنها مخالفة ليسر الشريعة، فالمرجح في مثل هذا مذهب الإمام مالك، وأن الماء لا يترك حتى يتغير، أما من ضعف حديث ابن عمر هذا ما عنده أدنى إشكال، لكن المشكلة فيمن صححه، من صححه لا شك أنه إذا صح عنده الخبر يلزمه العمل به، فإذا تعارض عندنا المنطوق والمفهوم قدمنا المنطوق وهو دلالة اللفظ في محل النطق، والمفهوم دلالة اللفظ لا في محل النطق، ولهم أيضًا مما يرجح قولهم من أن المنطوق عام والمفهوم خاص، والخاص يقدم على العام، وعرفنا ما في ذلك، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٥ / ٣٤ ]