١٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى".
[ ١ / ١٢٩ ]
• [رجاله: ٥]
١ - عبيد الله بن سعيد بن يحيى بن برد أبو قدامة اليشكري مولاهم، السرخسي الحافظ نزيل نيسابور، روى عن عبد الله بن نمير وابن عيينة وحماد بن زيد والقطان وابن مهدي ووكيع وأبي أسامة والنضر بن شميل وغيرهم، وعنه الشيخان والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم والذهلي وأحمد بن منصور زاج وإبراهيم بن أبي طالب وحسن بن محمَّد بن زياد وعمار بن منصور النسائي وغيرهم. وثقه أبو حاتم وأبو داود والنسائي وقال: ثقة مأمون، قل من كتبنا عنه مثله، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: هو الذي أظهر السنة بسرخس ودعا إليها. قال البخاري: مات سنة ٢٤١، وزاد غيره: بغرقد. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته، وفي الزهرة: روى عنه البخاري ١٣ حديثًا ومسلم ٤٨.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٣ - عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري العدوي المدني، أحد أعلام الفقهاء والأئمة الأجلاء والثقات الأثبات. روى عن أم خالد بنت خالد بن سعيد -ولها صحبة- وعن أبيه وخاله خبيب بن عبد الرحمن وسالم بن عبد الله وابنه أبي بكر بن سالم ونافع وابنه عمر بن نافع والقاسم بن محمَّد وابنه عبد الرحمن بن القاسم وغيرهم، وعنه أخوه عبد الله وحميد الطويل -وهو من شيوخه- وأيوب السختياني -ومات قبله- والسفيانان ومعمر وشعبة وسفيان بن حسين وعبد الله بن إدريس وابن المبارك والقطان وغيرهم قال أحمد: أثبت أصحاب نافع وأحفظهم وأكثرهم حديثًا، قال ابن معين: عبيد الله عن القاسم عن عائشة، الذهب المشبك بالدرر، وقال: عبيد الله من الثقات. وقال النسائي: ثقة ثبت، ووثقه أبو زرعة. قال ابن منجويه: كان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش، فضلًا وعلمًا وعبادة وشرفًا وحفظًا وإتقانًا. وقال ابن حبان: كان ثقة كثير الحديث حجة، وقال أحمد بن صالح: ثقة ثبت مأمون، ليس أحد أثبت منه في حديث نافع، وقال ابن معين: ثقة حافظ متفق عليه. توفي سنة ٤ وقيل ٥ وقيل ١٤٧، رحمنا الله وإياه.
٤ - نافع: تقدم ١٢.
٥ - عبد الله بن عمر: تقدم ١٢.
[ ١ / ١٣٠ ]
• التخريج
أخرجه مسلم والترمذي عن ابن عمر وابن عدي عن أبي هريرة بزيادة: (ولا تشبهوا باليهود)، ورواه ابن عدي والبيهقي في الشعب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بزيادة: (وانتفوا الشعر الذي في الأنف)، قال المنذري: قال البيهقي: هذا اللفظ غريب. ورواه الإِمام أحمد عن القطان كرواية المصنف، ورواه من طريق مؤمل عن ابن عمر بلفظ: (أمر رسول الله - ﷺ - أن تعفى اللحى وأن تجزَّ الشوارب). وهي من رواية عبد الرحمن بن علقمة عن ابن عمر. ورواه أيضًا من طريق مهدي عن ابن عمر بلفظ: "أعفوا اللحى وحفوا الشوارب". وروى أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "جزُّوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس". وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: "خالفوا المشركين: وفروا اللحى وأحفوا الشوارب"، زاد البخاري: (وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر؛ قبض على لحيته فما فضل أخذه).
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (أحفوا الشوارب) أمر من الإحفاء، وأصله: استئصال الشيء، وذكر النووي -﵀- أن همزته همزة قطع، وأن المراد به هنا: أخذ ما طال على الشفة، وذكر عن ابن دريد أنه يقال أيضًا: حفا الرجل شاربه يحفوه حفوًا: إذا استأصل أخذ شعره. قال: فعلى هذا تكون همزة أحفوا همزة وصل. قلت: فالفعل ثلاثي إذا جرّد فالهمزة همزة وصل، وإن اعتبر مزيدا فيه بالهمزة فالهمزة قطعية. والشوارب جمع شارب -وقد تقدم معناه- وهو شعر شفة الرجل، وجمعه على تقدير تجزئته، وكل جزء يعتبر شاربًا. وقوله: (أعفوا اللحى) فعل أمر من أعفاه: إذا تركه، والمعنى: اتركوها. وهمزته -على ما ذكره النووي- همزة قطع، وحكي فيه: أعفيت الشعر وأعفوته؛ لغتان، واللحى جمع لحية، يقال فيه: لِحى ولُحى بالضم والكسر، والكسر أفصح.
• الأحكام والفوائد
هذا الحديث بجميع طرقه ورواياته يدل دلالة واضحة على تحريم حلق اللحى، لأن الأمر فيه بالإعفاء، وكذلك رواية (أرخوا اللحى) و(أرجوا اللحى)
[ ١ / ١٣١ ]
و(أوفوا اللحى) و(فروا اللحى) كلها بصيغة الأمر، ومعناها: تركها وعدم أخذ شيء منها. واللحية: الشعر النابت على عظمي اللحيين، والأصل في صيغة الأمر الوجوب، لاسيما وقد تأكد ذلك بكون الحلق سمة اليهود أو المجوس، ونحن مأمورون بمخالفة الكل. وما روي فيها من حديث عمرو بن شعيب عند الترمذي قال: حدثنا هناد، قال: أخبرنا عمر بن هارون عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها، قال الترمذي: غريب. قال: وسمعت محمَّد بن إسماعيل -يعني البخاري- يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، ولا أعرف له حديثًا ليس له أصل -أو قال: ينفرد به- إلا هذا الحديث: (كان النبي - ﷺ - يأخذ من لحيته من عرضها وطولها)، ولا نعرفه إلا من حديث ابن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر بن هارون، قال: وسمعت قتيبة يقول: عمر بن هارون كان صاحب حديث، وكان يقول: الإيمان قول وعمل اهـ. وقال ابن حجر فيه: إنه متروك الحديث، وكان حافظًا من كبار السابعة، مات سنة ٩٤، وقال فيه الذهبي: اتهمه بعضهم. فهذا الحديث معلول، وعلى فرض صحته؛ فالمراد به الأخذ الذي لا ينافي التوفير المأمور به، بل هو محمول على إصلاح الشعر وأخذ ما تطاير منه. ولهذا لم يختلف من وصف النبي - ﷺ - في أن لحيته كانت كثَّة، وكان إذا رجَّلها ملأت صدره، وأقرب ما يبيّن حدّ ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر -وهو من عرفت حالته في الاتباع- أنه كان يقبض على لحيته فيأخذ منها ما زاد على القبضة؛ لأن طولها المفرط فيه قبح وبشاعة. قيل: إن عادة الفرس قص اللحية، فأمرنا بخلافه. قال القاضي عياض: أما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قصها وجزّها. وقد اختلف السلف في ذلك: فمنهم من لم يحدّه بحد بل قال: لا يتركها إلى حد الشهرة، ومنهم من حدّها بالقبضة فيؤخذ ما زاد عليها. وكره مالك طولها جدًا، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة. قلت: فهذا يبيّن أن الأخذ المراد إنما هو تصليح الشعر الذي جرت العادة بأنه يحسنه ويجمله، وبهذا يتبين أن الذي يفعله كثير من الناس الآن من حلقها باسم التقصير، ولا يترك إلَّا سَوادَ أصول الشعر أنه بعيد من السنة بل هو الحلق بعينه، واقتداء بمن
[ ١ / ١٣٢ ]
نهي النبي - ﷺ - عن الاقتداء بهم من الأعاجم، وإن رأى كثير من الناس الفرق بينه وبين مسحها بالكلية ففي الواقع أنه مثله:
وإلا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمها بلبانها
فهو بعيد من الامتثال بل هو قريب إلى الاستهزاء، فلا يصدق عليه الإعفاء ولا التوفير ولا الإرخاء، فإن هذه الألفاظ الخمسة: أرخوا اللحى، أرجوا اللحى، أوفوا اللحى، وفروا اللحى، أعفوا اللحى؛ لا ينطبق ما ذكر على شيء منها ولا يحصل الامتثال إلا بها، وما أقبح بالرجل أن يرضى لنفسه أن يتنازل عن سمة الرجولة وعلامة الرجال إلى الخنوثة والتشبه بالنساء، ولا ترى الأعين أقبح في عين العاقل من ذي شيبة حليق اللحية فهو كما قيل:
وهل أبصرت عيناك أقبح منظرًا من أشيب لا علم لديه ولا حلم
هي السوءة السوآء، فاحذر شماتها فأولها خزي وآخرها ذم
ولهذا رجح كثير من العلماء الترك بالكلية ولم ير الأخذ منها مطلقًا، لمقتضى الروايات ولعدم ثبوت الحديث السابق ثبوتًا تقوم به الحجة، ومعارضته لما هو أصح منه بكثير من الأحاديث التي سبق بيانها، وهو اختيار الإِمام أبي زكريا يحيى بن شرف النواوي الشافعي -﵀-.