٣٠ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَفِى يَدِهِ كَهَيْئَةِ الدَّرَقَةِ فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمِعَهُ فَقَالَ: "أَوَ مَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْبَوْلِ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَنَهَاهُمْ صَاحِبُهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ".
• [رجاله: ٥]
١ - هناد بن السري: تقدم ٢٥.
٢ - محمَّد بن خازم أبو معاوية الضرير التميمي السعدي مولاهم الكوفي، يقال: عَمِي وهو ابن ثمان سنين أو أربع، روى عن عاصم الأحول وأبي مالك الأشجعي، وسعد ويحيى ابني سعيد الأنصاري، والأعمش وأبي بردة بريد بن عبد الله بن أبي بردة وعبيد الله العمري وخلق كثير، وعنه ابن جريج -وهو أكبر منه- والقطان -من أقرانه- وأحمد بن حنبل وابن راهويه وابنا أبي شيبة وأبو كريب في خلائق آخرين. قال الدوري وابن معين: إنه أثبت في الأعمش من جرير وروى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر مناكير، وقال ابن معين: إنه أثبت أصحاب الأعمش، وقال أحمد: في غير حديث الأعمش مضطرب لا يحفظ حفظًا جيدًا. قال وكيع: كان يعدُّ علينا في حياة الأعمش ألفًا وسبعمائة حديث، وقال ابن المديني: كتبنا عن أبي معاوية ألفًا وخمسمائة حديث، وكان عند الأعمش بما لم يكن عند أبي معاوية أربعمائة ونيف وخمسين حديثًا. قال العجلي: كوفي ثقة وكان يرى الإرجاء، وكذا قال الآجري عن أبي داود عنه نحو ذلك. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان حافظًا متقنًا ولكنه كان مرجئًا. مات سنة ١١٣ - هكذا في التهذيب- ولعله ١٩٣، وقيل ١٩٥. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث يدلس، وكان مرجئًا.
٣ - الأعمش: تقدم ١٨.
٤ - زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، رحل إلى النبي - ﷺ -
[ ١ / ١٧٠ ]
فقبض ﵊ وهو في الطريق. روى عن عمر وعثمان وعلي وأبي ذر وابن مسعود وحذيفة وأبي الدرداء وأبي موسى وغيرهم، وعنه إسحاق السبيعي وإسماعيل بن أبي خالد والحكم بن عتيبة والأعمش وجماعة. قال الأعمش: إذا حدثك زيد بن وهب عن أحد كأنك سمعته من الذي عنه. قال ابن معين: وقال ابن خراش: كوفي ثقة دخل الشام وروايته عن أبي ذر صحيحة. توفي في ولاية الحجاج بعد الجماجم قيل سنة ٩٦، قاله ابن منجويه وابن حبان في الثقات. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير، وقال ابن عبد البر: أسلم في حياة النبي - ﷺ - وهاجر إليه فلم يدركه، وكذا قال ابن منده. قلت: وعلى أن وفاته سنة ٩٦ فقد مات بعد الحجاج؛ لأن موت الحجاج في ٢٧ رمضان أو شوال سنة ٩٥ بلا خلاف أعلمه.
٥ - عبد الرحمن بن حسنة أخو شرحبيل بن حسنة، قال في التهذيب: روى عن النبي - ﷺ - قصة فيها عذاب القبر من البول، وعنه زيد بن وهب وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ في معجم الطبراني، ولكن في الإسناد ابن لهيعة ولا تقوم به حجة، فقد قال مسلم والأزدي والحاكم في المستدرك وابن عبد البر: تفرد بالرواية عنه زيد بن وهب، وأنكر ابن أبي خيثمة والعسكري أن يكون أخا شرحبيل بن حسنة. قال الترمذي لما أشار إلى حديثه: يقال إنه أخو شرحبيل.
• التخريج
أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن حسنة بلفظ (انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي - ﷺ - فخرج ومعه درقة ثم استتر بها ثم بال فقلنا: انظروا .. إلخ)، ورواه ابن ماجه كرواية المصنف، وفيه: (ويحك. . . إلخ)، ورواه الإِمام أحمد في المسند عن ابن حسنة بلفظ: (كنت أنا وعمرو. . . إلخ) والبيهقي وسكت عليه ابن التركماني في الجوهر النقي، وأخرجه ابن حبان في صحيحه كما قال الحافظ المنذري، وسكت عليه المنذري، فالحديث حسن كما يبدو. وأخرجه ابن الجارود بسند صحيح، فإنه رواه عن محمَّد بن يحيى الذهلي عن يعلى بن عبيد عن الأعمش عن زيد بن خالد عن ابن حسنة إلخ.
[ ١ / ١٧١ ]
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (وفي يده كهيئة ..) إلخ -الواو للحال، والكاف في محل رفع نعت لمحذوف وهو المبتدأ في الأصل، والتقدير: في يده شيء مثل الدرقة، والجار والمجرور في محل رفع بذلك المحذوف الذي نزل نعته منزلته، والجملة في محل نصب حال من قوله: خرج إلينا.
وقوله: (الدرقة) بفتح الراء والقاف: هي الترس يصنع من الجلود يتقون به ضرب السلاح في الحرب، وهي أيضًا: المجن والجنة والجحفة، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة -في استعمالها فيما يستتر به-:
فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
وهو المجنأ أيضًا، كما في الرجز الذي يروى عن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح - ﵁ - يوم الرجيع:
ومجنأ من جلد ثور أسود ومؤمن بما على محمَّد
وكما قال الشاعر في عمرو بن معد يكرب، والقائل هو الأعشى:
وإذا تجيء كتيبة ملمومة شهباء يخشى الذائدون صيالها
كنت المقدم غير لابس جنة بالسيف تضرب معلمًا أبطالها
وقوله: (جلس خلفها) ظرف، أي: جلس واستتر بها، والفاء عاطفة "وإلى" بمعنى "عند" كما في قول الشاعر:
أم لا سبيل إلى الشباب وذكره أشهى إليّ من الرحيق السلسل
أي: عندي، والمعنى: جلس وبال عندها. وقوله: (فقال) الفاء تحتمل العطف وتحتمل السببية وهي أظهر. (قال بعض القوم) وفي رواية: (فقلنا) فيحتمل أنه عبّر في الأولى عنهم ببعض القوم على سبيل الستر، وصرّح في الثانية أنهم هم القائلون؛ لأن نسبة الفعل الصادر من البعض إلى الكل صحيحة.
وقولهم: (انظروا) على سبيل التعجب من حيائه - ﷺ - لا على سبيل الانتقاد، لأن حالة الصحابة تأبى ذلك مع تعظيمهم للنبي - ﷺ -، والعرب لم تكن تحافظ على التستر لاسيما الرجال، فكانوا يرون شدة الحياء والمبالغة في التستر من شأن النساء. ولكن الحياء من خلق الأنبياء، ولهذا قالت بنو
[ ١ / ١٧٢ ]
إسرائيل: ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر .. الحديث، فهو يدل على أن الحياء والتستر من عادة الأنبياء دون غيرهم، إلا أن بني إسرائيل قالوا ذلك على سبيل العيب وطلب الأذية، فلذلك برأه الله وأما الصحابة فإنما تعجبوا من الحال التي رأوها منه - ﷺ - ولهذا -أي: لحسن قصدهم- لم يعتبهم وإنما بيّن لهم أن هذه الحالة هي التي تنبغي للمسلم، وخلافها قد يؤدي إلى العقوبة.
وقوله: (كما تبول المرأة) الكاف في محل نصب نعت لمصدر محذوف التقدير: بولًا كبول المرأة، فما مصدرية والمصدر المنسبك منها في محل جر أي: مثل بول المرأة، والتشبيه واقع على الهيئة التي بال عليها. قال العراقي: (هل المراد التشبيه بها في الستر أو الجلوس أو فيهما؟). اهـ.
وقيل: كرهوا ذلك زعمًا منهم أن شهامة الرجل لا تقتضي الستر، على عادتهم في الجاهلية.
وقوله: (فسمعه) أي سمع النبي - ﷺ - ذلك القائل فقال: (أَمّا) الهمزة للاستفهام وما نافية وقوله: (ما أصاب): ما موصولة في محل نصب بعلمت، وجملة (أصاب) صلة الموصول، والعائد الضمير الذي هو الفاعل المستتر. فكأنّ سائلًا عما أصاب صاحب بني إسرائيل فقال: (كانوا) أي كانت بنو إسرائيل قد فرض الله عليهم في دينهم، أنهم إذا أصاب أحدهم شيء من البول قرضوه، أي: قطعوا المكان الذي وقع فيه، ولا يطهر إلا بذلك، وهذا من الآصار التي كانت عليهم فخففها الله علينا كما قال: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، والقرض هو القطع، والمقراض مفعال آلته التي يحصل بها، وجمعه مقاريض كمفتاح ومفاتيح، وهو المقص. وقوله: (فنهاهم) أي عن فعل ما أوجبه الله عليهم من ذلك وبهذا استحق العقوبة لأنه لو لم يكن واجبًا لما عذب بسبب تركه والنهي عنه. وقوله: (في قبره) أي بعد موته.
• الأحكام والفوائد
الحديث يدل على وجوب الاستتار عند البول، وجواز البول لأي ساتر على أي حال مادام ستر العورة حاصلًا، وجواز البول بحضرة الناس على هذا الشرط ووجوب الاستتار منه، وأن الاستخفاف به كبيرة من الكبائر وأنه موجب لعذاب القبر، ويدل على فضل الله على هذه الأمة حيث نسخ عنها هذا النوع
[ ١ / ١٧٣ ]