من الشدائد، وعلى شدة حيائه - ﷺ - وأن الحياء خصلة حميدة، وعلى حسن خلقه - ﷺ - حيث لم يعنف القائلين، وحرصه على الإرشاد وبيان الفائدة - ﷺ -. وفيه دليل على أن من نهى عن شيء من طاعة الله -﷾- استحق العقوبة، لأن الله أوجب علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعله من أخلاق المؤمنين كما قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾، وهذا على خلافه لأنه نهي عن معروف، والنهي عن المعروف والأمر بالمنكر من سمات المنافقين قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ الآية.
٢٧ -
٣١ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ عَنْ وَكِيعٍ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: "إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ: أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا". خَالَفَهُ مَنْصُورٌ: رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرْ طَاوُسًا.
• [رجاله: ٦، والسابع منصور لم يكن في هذا الإسناد تقدم]
١ - هناد بن السري: تقدم ٢٥.
٢ - وكيع بن الجراح الأسدي: تقدم ٢٥.
٣ - سليمان بن مهران: تقدم ١٨.
٤ - مجاهد بن جبر المخزومي أبو الحجاج المكي المعروف بالمقرئ مولى السائب بن أبي السائب. روى عن علي وسعد بن أبي وقاص والعبادلة الأربعة وعائشة وأم سلمة وجويرية وأم هانئ وخلق من الصحابة وجماعة من التابعين، وعنه أيوب السختياني وعطاء وعكرمة وابن عون وعمرو بن دينار وغيرهم. قال ابن معين: حديثه عن عائشة مرسل لم يسمع منها قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء، وكذا قال الآجري عن أبي داود. وثقه ابن
[ ١ / ١٧٤ ]
معين وأبو زرعة وقال سلمة بن كهيل: (ما رأيت أحدًا أراد بهذا العلم وجه الله تعالى إلا عطاءً وطاوسًا ومجاهدًا). وذكر الحافظ أن سماعه من عائشة وقع التصريح به عند البخاري في صحيحه، وقد قيل إن روايته عن علي وسعد ومعاوية وكعب بن عجرة وأبي هريرة وسعيد ورافع وابن عمرو كلها مرسلة. قال ابن سعد: ثقة فقيه كثير الحديث، وقال ابن حبان: كان فقيهًا ورعًا عابدًا متقنًا، قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب. وقال الذهبي: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، قال: وقرأ عليه عبد الله بن كثير قال ابن حبان: مات سنة ثنتين أو ثلاث ومائة بمكة وهو ساجد، وكان مولده سنة ٢١ في خلافة عمر، وقد قيل: مات سنة ١٠٠، وقيل: ١٠١ وقيل: ١٠٤.
٥ - طاوس بن كيسان أبو عبد الرحمن الحميري الجندي مولى بجير بن ريسان، من أبناء الفرس، كان ينزل الجند، وقيل: هو مولى همدان، وقال ابن حبان: كانت أمه فارسية وأبوه من النمر بن قاسط، وقيل: اسمه ذكران وطاوس لقب له. روى عن العبادلة الأربعة وأبي هريرة وعائشة وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم وسراقة بن مالك وصفوان بن أمية وعبد الله بن شداد بن الهاد وغيرهم، وأرسل عن معاذ بن جبل. وعنه ابنه عبد الله ووهب بن منبه وسليمان التيمي وسليمان الأحول وأبو الزبير والزهري وغيرهم. قال عبد الملك بن ميسرة عنه: أدركت خمسين من الصحابة. وعن ابن عباس: إني لأظن طاوسًا من أهل الجنة وثقه ابن معين وأبو زرعة، قال ابن حبان: كان من عبّاد أهل اليمن ومن سادات التابعين، وكان قد حج ٤٠ حجة وكان مستجاب الدعوة، مات سنة ١٠١ وقيل ١٠٦. قال الزهري: لو رأيت طاوسًا علمت أنه لا يكذب. قال ابن عيينة: متجنبو السلطان ثلاثة: أبو ذر في زمانه وطاوس في زمانه والثوري في زمانه. وأثنى عليه غير واحد. قلت: وقد قالوا في سماعه عن عائشة: مختلف في سماعه منها، وكذا عن عمر وعن عثمان وعلي والله أعلم.
٦ - عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله - ﷺ -، كان يقال له البحر والحبر لكثرة علمه. روى عن النبي - ﷺ - وعن أبيه وعن أمه أم الفضل وخالته ميمونة والخلفاء الأربعة وعبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب وخالد بن الوليد وهو ابن خالته، ومعاوية بن أبي سفيان وأبيه وعائشة وأسماء أختها وجويرية
[ ١ / ١٧٥ ]
وسودة وأم سلمة وأم هانئ وجماعة من الصحابة، وعنه ابناه علي ومحمد وابن ابنه محمَّد بن علي وأخوه كثير بن العباس وابن أخيه عبد الله بن معبد وابن عمر وجماعة من الصحابة وخلائق من غيرهم يطول ذكرهم. دعا له النبي - ﷺ - بالحكمة مرتين، وقال ابن مسعود: نِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس، وروى سعيد بن جبير عنه: قُبض النبي - ﷺ - وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وفي رواية: وأنا ختين، وعنه: ابن عشر سنين، وعنه أيضًا: ابن خمس عشرة سنة، وصوّبه أحمد. مات سنة ٦٨ وصلى عليه محمَّد بن الحنفية، وقال: اليوم مات ربّاني هذه الأمة، وقيل: ٦٩ وقيل: ٧٠، وكان موته بالطائف -رضي الله تعالى عنا وعنه-.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن الجارود والدارمي وقوله: (خالفه منصور رواه عن مجاهد) يعني أن رواية الأعمش فيها طاوس بين ابن عباس ومجاهد، ورواية منصور عن مجاهد ليس بينه وبين ابن عباس أحد، وهذا يحمل على أن مجاهدًا حدث به على ما سمعه من ابن عباس بواسطة مجاهد وبدون واسطة، فحدّث به مرة هكذا على ما رواه بواسطة ومرة بدونها، وهذا لا يضر وله نظائر كثيرة.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (مر النبي - ﷺ -) من المرور بالشيء، والباء فيه للتعدية، و(القبران) تثنية قبر وهو مدفن الإنسان، والجمع قبور والموضع: مقبرة بفتح الباء وضمها، والمقبر أيضًا، ومنه قول عبد الله بن ثعلبة الحنفي:
أزور وأعتاد القبور ولا أرى سوى رمس أحجار عليه ركود
لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد
ويجمع أيضًا على أقبر، قال جرير بن الخطفي:
جعلتَ بقبر للخيار ومالك وقبر عدى في المقابر أقبُرا
وقوله: (إنهما ليعذبان) الضمير يرجع إلى المقبورين لا إلى القبرين لأن العذاب لا يقع عليهما، وعَوْدُ الضمير إن فُرض أنه على غير مذكور؛ فذلك لتنزيل دلالة الحال بالحضور منزلة الذكر، وإما على إطلاق المحلين وإرادة الحالين
[ ١ / ١٧٦ ]
فيهما، وهو نوع من المجاز المرسل معروف علاقته المحلية. واللام للتوكيد والعذاب مشتق من الحبس والمنع، ومنه استعذاب الماء: حبسه حتى يطيب للشارب أو لمنعه العطش، ثم استعمل في كل ما يؤلم الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني الزانيين، والعقوبة تمنع معاودة الذنب، والمراد هنا عذاب القبر في البرزخ أعاذنا الله منه. وقوله: (ما يعذبان في كبير) وفي رواية "بلى إنه لكبير" ولا معارضة؛ فإنه ليس بكبير على النفس فعل ما أوجب تركه هذا العذاب ولا ترك ما أوجبه فعله، فهو كبير بالنسبة لما ترتب عليه من العذاب، غير كبير بالنسبة لأن التحفظ من البول وترك النميمة أمران لا يشق فيهما الفعل والترك، فهو كبير من حيث الإثم وليس مما يشق فيه الفعل أو الترك. ونقل السيوطي عن البوني احتمال كونه ظن أنه غير كبير، فأوحي إليه أنه كبير، وهو عندي بعيد، وظاهر الاستدراك يدل على بُعده كسائر الأقوال الأخر التي نقلها على سبيل الاحتمال، والله أعلم. والبوني اسمه عبد الملك.
وقوله: (أما) حرف شرط وتوكيد وتفصيل، والفاء لازمة في جوابها، وذكر سيبويه أنها بمثابة: مهما يكن من شيء، ولذا قال ابن مالك معتمدًا على قول سيبويه المذكور، ومبينًا أن حذف الفاء قليل إذا لم يضمر القول معها:
أما كمهما يك من شيء وفا لتلو تلوها وجوبًا ألفا
فالفاء لازمة عند عدم إضمار القول، وحذفها مسموع وهو قليل، كقول الشاعر:
أما القتال لا قتال لديكم ولكن سيرا في عراض المواكب
أي: تسيرون سيرًا.
وإليه أشار ابن مالك -﵀- بقوله:
وحذف ذي الفا قل في نثر إذا لم يك قول معها قد نبذا
أما مع إضمار القول معها فهو مقيس، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، فحذف القول وتبعه الفاء الداخلة عليه، وقد يجوز في التبع ما لا يجوز في الاستقلال ومن أمثلته في الشرع: أن الشخص لو صلى عن غيره استقلالًا لا تجوز صلاته، وإذا حج عنه فهو يصلي ركعتين للطواف عنه تبعًا للطواف
[ ١ / ١٧٧ ]
بالإجماع. وقال بعضهم: إن الجواب في الآية قوله: (فذوقوا) لأنه بعد الحذف انتقلت الفاء إلى القول.
ومن أمثلته في اللغة: حديث بريرة في قوله -﵊-: أما بعد، ما بال أقوام. . . . إلخ.
وقول عائشة في حديث المناسك: أما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافًا واحدًا. . . . إلخ أي فطافوا. وأكثر معانيها التفصيل، وهي مضمنة معنى الشرط وإفادتها التوكيد مع ذلك في الغالب.
وقوله: (أحدهما): أي أحد المقبورين وقوله: (فكان) الفاء واقعة في جواب أما، و(كان) أي: من عادة ذلك المذكور، وهو قوله: (لا يستنزه) وفي رواية: "لا يستتر" من بوله. والاستتار: استفعال من الستر، قيل المراد به: كشف العورة وعدم سترها، وهذا الوجه ضعيف لكونه يجعل علة العذاب كشف العورة، والأحاديث تدل على أن علة العذاب: التهاون بالبول وعدم التحفظ مما يصيب الثوب أو البدن منه، والتهاون بالطهارة يسبب فساد الصلاة، ولهذا جاء في حديث الدارقطني: "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه"، ولابن خزيمة من حديث أبي هريرة وصححه: "أكثر عذاب القبر من البول". وإذا كان سبب العذاب كشف العورة؛ لم يبق لذكر البول فائدة في تخصيصه بسبب العذاب، ولا شك أن السياق يدل على أن البول له خصوصية في السبب، ويدل على ذلك قصة الإسرائيلي التي تقدم ذكرها، ورواية المصنف (يستنزه) أي: يتحفظ، وهي تدل على أن الوعيد على عدم التحفظ من البول وقوله: (يمشي بالنميمة) فعيلة من: نمّ الحديث ينُمه بالضم وينِمه بالكسر، وقيل: الضم في المتعدي والكسر في اللازم، وهي: نقل الحديث من شخص إلى آخر بقصد الإفساد والفتنة، ويقال لفاعلها: نمام وقتات، وكلٌّ ورد في الحديث، والغالب أن فاعل ذلك يخفيه، ويقال لوسوسة الصوت والكلام: نميمة؛ إذا كان خفيًا. قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه:
كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم ولامك أقوام ولومهم ظلم
ونمَّ عليك الكاشحون وقبلهم عليك الهوى قد نمَّ لو نفع النمُّ
فرتب على هذا الفعل الذميم عذاب القبر، لما فيه من توليد الفتنة والشر
[ ١ / ١٧٨ ]
بين الناس، ولهذا وجب تكذيبه إذا لم يكن لمصلحة شرعية كما يأتي إن شاء الله، قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآية.
وقوله: (ثم دعا) تقدم الكلام على ثم في حديث رقم ٤، ودعا: أي طلب، والباء في قوله: (بعسيب) إما لتضمين دعا معنى أمر، أو لأن طلبه من أحد من أصحابه أمر له، أي: أمر بإحضار عسيب، والعسيب: جريدة النخل التي نزع خوصها، قال الشاعر:
وقل لها مني على بعد دارها قنا النخل أو يهدي إليك عسيب
وقال امرؤ القيس:
لمن طلل أبصرته فشجاني كخط زبور في عسيب يماني
وعسيب: اسم جبل بعينه، كما في قوله أيضًا:
أجارتنا إن الخطوب تنوب وإني مقيم ما أقام عسيب
ويقال لعظم الذنب وظهر القدم وشق في الجبل. وقوله: (رطب) أي: أخضر، صفة لعسيب وهو ضد اليابس، وقوله: (فشقه) الفاء هي التي يسميها بعض النحويين الفصيحة لأنها تدل على محذوف، أي فأُتي به فشقه، والباء زائدة أي: قسمه على نصفين وقوله: (فغرز) أي نصب وثبّت في الأرض على كل من القبرين أحد النصفين المذكورين. وقوله (لعله) تقدم الكلام على "لعل"، والهاء للعذاب أي: العذاب المدلول عليه بقوله (يعذبان ..). وقوله: (يخفف عنهما) أي عن المقبورين، وقوله: (ما لم ييبسا): ما مصدرية ظرفية أي مدة كون النصفين لم ييبسا، ويحتمل أن الضمير في "لعل" ضمير الشأن. وقد اختلف العلماء في وجه ذلك، فقيل: إنما فعل ذلك لأن الرطب من النبات يسبِّح، فتسبيحه يكون سببًا لتخفيف العذاب عن صاحبي القبرين، وقائل هذه المقالة يستدل بها على أن الميت ينتفع بالذكر عنده وقراءة القرآن له، وهذا الوجه ضعيف. أما أولًا: فلأن التسبيح من الجماد لا يخص الأخضر، بل اليابس وغيره يسبّح على وجه الله أعلم به، كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ فشمل اليابس والأخضر وثانيًا: أنه لو كان الأمر كذلك؛ لكان هذا الفعل على كل مقبور سنة ليحصل له هذا الفضل الحاصل من تسبيح الأخضر، وعدم نقل ذلك عنه ولا عن أحد من أصحابه وهم أحرص الناس
[ ١ / ١٧٩ ]
على الخير إلا في هذه المرة، أو ما ورد في حديث جابر الطويل في آخر مسلم، وكلاهما محمول على الخصوصية. وأما قراءة القرآن على الميت فسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله تعالى-. والصحيح في التعليل لهذا الفعل: أنه - ﷺ - شفع لهذين المقبورين فخفف الله عنهما، وجعل مدة التخفيف عليهما تنتهي بيبس الجريدتين، والله أعلم. ولا يمنع ذلك كون (لعل) في الأصل للترجي والتوقع، لأنها إذا كانت من الله تعالى في مقام الإطماع كانت واجبة الوقوع، وهكذا هنا الظاهر أنه لم يقل ذلك إلا بوعد من الله له.
ما روي عن بريدة - ﵁ - من أنه وصى أن يجعل على قبره جريدة؛ فهو فعل صحابي فيما فيه مجال للرأي، ولم يصح ذلك عن أحد منهم غيره. وقد تقرر في الأصول أن قول الصحابي فيما فيه مجال للرأي؛ لا يعطى حكم الرفع، وهذا من قبيل ذلك والله أعلم.
• الأحكام والفوائد
الحديث دليل ظاهر على إثبات عذاب القبر، كما دلت أحاديث أخر على إثبات نعيمه، فهو إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. وفيه معجزة ظاهرة للنبي - ﷺ - حيث أطلعه الله على حال المقبورين وسبب عذابهما، والظاهر أنهما مسلمان، ويدل على ذلك تعليل العذاب بالأمرين المذكورين، لأنهما لو كانا كافرين لكان عذابهما لكفرهما، وذلك يدل على أن القصة كانت بالمدينة، وكون ابن عباس حضر ذلك يدل على تأخر القصة، وعند ابن ماجه: "بقبرين جديدين" وهو يدفع رواية الشك كما في البخاري: "من حيطان المدينة أو مكة". وفيه أن التهاون بالمعاصي لا ينبغي للمسلم، وفيه قبح هاتين الخصلتين وأنهما يسببان عذاب القبر، وفيه حرص النبي - ﷺ - على الخير، وشفاعته لهما تدل على أنهما مسلمان. قلت: وقد يقال إن شفاعته لهما لا تستلزم ذلك، ويكون من باب الخصوصية لتظهر هذه المعجزة، ولينبّه أصحابه على عظم إثم هذين الفعلين، وقد فعل - ﷺ - مثل هذا الفعل كما ثبت في حديث جابر الطويل في آخر صحيح مسلم. لكن يشكل عليه النهي عن الشفاعة للمشركين، وقد يجاب باحتمال أنهما كان ممن مات على شريعة موسى أو عيسى قبل التبديل أو غيرهما من الشرائع، لأن الحكم عليهما بالإِسلام يبعده
[ ١ / ١٨٠ ]
أن قصة جابر كانت في إحدى غزواته، وهي خارج المدينة والمسلمون في ذلك الوقت إنما كان وجودهم بالمدينة. أما قصة ابن عباس هذه فالظاهر أنها بالمدينة، وأنها غير تلك الرواية التي أشرنا إليها عند ابن ماجه وفيها أنهما قبران جديدان، غير أنه تقدم أنهما لو كانا كافرين لكان الموجب للعذاب هو الكفر والله أعلم. وفي الحديث دليل على نجاسة البول، وهو مجمع عليه في الإنسان البالغ أو الصغير الذي أكل الطعام.