٣٧ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ وَقَبِيصَةُ قَالَا: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ ﵇.
• [رواته: ٧]
١ - محمود بن غيلان العدوي مولاهم أبو أحمد المروري الحافظ نزيل بغداد، روى عن وكيع وابن عيينة والنضر بن شميل والفضل بن موسى السيناني وأبي نعيم وجماعة فيهم كثرة، وعنه الجماعة سوى أبي داود، وأبي حاتم وأبي زرعة والذهلي وابن أبي الدنيا ومطين وغيرهم. وثقه النسائي وأثنى عليه أحمد بأنه صاحب سنة يعرف بالحديث، وحُبس على القرآن -يعني على أنه لم يوافق على القول بخلق القرآن-، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ٢٣٩
[ ١ / ١٩٥ ]
وقيل ٢٤٩ بعد انصرافه من الحج إلى مرو في ذي القعدة، أي من السنة المذكورة والله أعلم.
٢ - زيد بن الحباب بن ريان -ويقال: ابن رومان- التميمي العكلي، هكذا هو في التهذيب ومثله في تهذيب الأنساب لابن الأثير، وهو خطأ -كما قال ابن الأثير وغيره- من السمعاني، والصواب أن عكلًا أولاد عوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناف بن أد بن طابخة، وأولاد عوف بن وائل المذكور خمسة: الحارث وجشم وسعد وقيس وعلي، أمهم بنت ذي اللحية ماتت فحضنتهم أمة سوداء كانت لها أو لأبيهم، يقال لها: عكل -بضم العين- فنسبوا إليها وهم من قبائل الرباب، أبو الحسن الكوفي أصله من خراسان رحل في طلب العلم وسكن الكوفة. روى عن أيمن بن نابل وعكرمة بن عمار اليمامي وإبراهيم بن نافع المكي ومالك والثوري وابن أبي ذئب وجماعة آخرين، وعنه أحمد وابنا أبي شيبة وأبو كريب وأبو خيثمة وأحمد بن منيع وغيرهم، وابن وهب ويزيد بن هارون وهما أكبر منه. وثقه ابن المديني والعجلي وابن معين، وقال أبو حاتم البستي: صدوق صالح، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. ووثقه أبو جعفر وأحمد بن صالح قال: وكان معروفًا بالحديث صدوقًا. وقال ابن قانع: كوفي صالح، ووثقه الدارقطني وابن ماكولا وعثمان بن أبي شيبة، وأثنى عليه أحمد وقال: كان كثير الخطأ، ومات سنة ٢٠٣. قال ابن عدي: له حديث كثير، وهو من أثبات مشايخ الكوفة ممن لا يشك في صدقه، والله أعلم.
٣ - قبيصة بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن جندب بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة السوائي أبو عامر الكوفي، روى عن الثوري وشعبة وفطر بن خليفة والجراح والد وكيع وحماد بن سلمة وغيرهم، وعنه البخاري والباقون بواسطة ابنه عقبة، والمصنف بواسطة محمود بن غيلان، وهناد بن السري والذهلي وعثمان بن أبي شيبة وخلق غيرهم. قال أحمد: كان رجلًا صالحًا ثقة لا بأس به، وأي شيء لم يكن عنده -يعني كثير الحديث- إلا أنه ذكر أن حديثه عن سفيان كثير الغلط. وقال ابن معين: قبيصة ثقة في كل شيء إلا في حديث سفيان، فإنه سمع منه وهو صغير. وأثنى عليه كثير من الأئمة في حفظه وصلاحه، توفي سنة ٢١٣، وقيل ٢١٥ - رحمنا الله وإياه- وفي الزهرة: له في البخاري ٤٤ حديثًا.
[ ١ / ١٩٦ ]
٤ - سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، من ثور عبد مناة على الصحيح، وهي إحدى قبائل الرباب وهم أبناء أدْ بن طابخة، وقيل: من ثور همدان. روى عن أبيه وأبي إسحاق السبيعي وأبي إسحاق الشيباني وعبد الملك بن عمير والأسود بن قيس وحماد بن أبي سليمان وعون بن أبي جحيفة وعمرو بن دينار وخلائق غيرهم، وعنه جعفر بن برقان وابن إسحاق وخصيف بن عبد الرحمن -وهم من شيوخه- وأبان بن تغلب وشعبة وزائدة ومالك بن أنس والأوزاعي ووكيع ومسعر وابن مهدي وابن عيينة ويحيى بن سعيد وغيرهم ممن يطول ذكرهم. قال شعبة وأبو عاصم وابن معين وابن عيينة وغيرهم من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال عبد الله بن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان. وثناء الأئمة عليه لا يحصى كثرة في الفقه والحديث والورع والزهد وفي كل شيء من الخير. قال شعبة: إن سفيان ساد الناس بالورع، وقال محمد بن سهيل بن عسكر عن عبد الرزاق: بعث المنصور الخشابين حين خرج إلى مكة فقال: إن رأيتم سفيان فاصلبوه، فجاء النجارون ونُصِبَ الخشب ونودي سفيان، وإذا رأسه في حجر الفضيل ورجلاه في حجر ابن عيينة فقالوا: يا أبا عبد الله اتق الله ولا تشمت بنا الأعداء. قال: فتقدم إلى الأستار فأخذها وقال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر، فمات قبل أن يدخل مكة -يعني أبا جعفر- فإنه أصيب بالجدري ومات ببئر ميمون بأعلى مكة. وبالجملة لا خلاف أنه كان من أجلّ أئمة المسلمين وعَلَمًا من أعلام الدين، ومناقبه كثيرة مشهورة رضي الله عنا وعنه. توفي بالبصرة سنة ١٦١ لأنه كان خرج من الكوفة سنة ٥٠ فلم يرجع إليها، ومولده سنة ٩٧، ومع ذلك فقد قال ابن معين: مرسلاته شبه الريح، وكان سفيان يدلس. قال في التقريب: ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، من رؤوس الطبقة السابعة، وربما دلس، والله أعلم.
٥ - الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي أبو عثمان المدني القرشي، روى عن نافع مولى ابن عمر وسالم وأبي النضر وإبراهيم بن عبد الله بن حنين وعبد الله بن دينار وجماعة غيرهم، وعنه ابنه عثمان وابن عمه عيسى بن المغيرة بن الضحاك والثوري ووكيع وجماعة آخرون. قال أحمد وابن معين ومصعب الزبيري: ثقة، قال أبو داود: ثقة وابنه عثمان ضعيف،
[ ١ / ١٩٧ ]
وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو صدوق صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثبتًا ثقة كثير الحديث، وقال ابن بكير: مدني ثقة، وقال ابن نمير: لا بأس به. قال ابن المديني: ثقة، وقال ابن عبد البر: كثير الخطأ ليس بحجة، والله تعالى أعلم.
٦ - نافع مولى ابن عمر: تقدم ١٢.
٧ - عبد الله بن عمر: تقدم ١٢.
• التخريج
أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه وأبو داود كرواية المصنف، ثم قال أبو داود: روى عن ابن عمر وغيره أن النبي - ﷺ - تيمم ثم رد على الرجل. قلت: سيأتي ذلك إن شاء الله. وأخرجه ابن الجارود في المنتقى، وأخرجه ابن ماجه أيضًا من حديث أبي هريرة وفيه: فلما فرغ ضرب بكفيه على الأرض فتيمم ثم رد ﵇. وفيه حديث جابر سيأتي الكلام عليه في أحكام الحديث.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (مر رجل) قيل هو أبو جهيم بن الحارث بن الصمة، كما جاء في شرح السنة للبغوي عنه أنه قال: "مررت على النبي - ﷺ - وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي حتى قام إلى جدار فحته بعصًا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد علي".
وقوله: (سلَّم) تكلم بكلمة السلام، وهي التحية التي اختارها الله لهذه الأمة فيما بينهم في الحياة وعلى موتاهم في البرزخ وفي الجنة، وكان العرب يحيي بعضهم بعضًا بقولهم: "أنعم صباحًا" ونحوها من الألفاظ، فأبدل الله تعالى المسلمين من ذلك لفظة السلام وهي اسم من أسماء الله تعالى، ولهذا لما قال عمير بن وهب للنبي - ﷺ -: أنعم صباحًا، قال: أبدلنا الله خيرًا منها تحية الإسلام. وجملة (وهو يبول) جملة حالية، والرد: أصله الإجابة، وإجابة المسلم عليه واجبة بأن يقول ما قال أو يزيد عليه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ والمراد بالأحسن الزيادة، كما سيأتي إن شاء الله في السلام.
[ ١ / ١٩٨ ]
• الفوائد والأحكام
الحديث دليل على عدم ترك السلام عند اللقاء ولو على من يبول أو يقضي حاجة الإنسان، خلافًا لمن قال إنه يكره السلام على من يقضي حاجة الإنسان مع مسائل ذكرها بعض الفقهاء، ونظمها بعضهم فقال:
على المؤذن المقيم والملب وواطئ وسامع لمن خطب
والقاضي للحاجة يكره السلام كرد الأخيرين ولو بعد التمام
ورد الأولين شرعًا يلزم إن تمموا وحضر المسلم
وهو على غيرهم استنانًا إلا ذوي البدع فالهجرانا
ولو مصليًا وبالإشارة يرده فرضًا كغير الستة
فإقرار النبي - ﷺ - للرجل على السلام واعتذاره له -كما يأتي إن شاء الله- بأنه ما منعه أن يرد إلا أنه كره أن يذكر الله على غير طهارة؛ دليل على أن فعله جائز بل الأصل فيه أنه سنة، لكن في سنن ابن ماجه من حديث جابر أنه قال للرجل: "إذا وجدتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك"، لكن من رواية مسلمة بن علي قد اتفقوا على ضعفه، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وكذا قال ابن حبان: وزاد هو في حد الترك، وكذا قال غير واحد من الأئمة. فهذا لو صح كان دليلًا على الكراهة وهي عند القائلين بها كراهة تنزيه، وفي قوله في الرواية الأخرى واعتذاره له دليل على جواز السلام، وكراهة الرد في هذه الحالة. ويؤخذ منه عدم الذكر ساعة قضاء الحاجة، فلو عطس حمد الله في نفسه دون أن يتكلم.