٤٠ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْقَعْقَاعُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: "إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ: إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْخَلَاءِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا وَلَا يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ. وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ".
• [رواته: ٦]
١ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي: تقدم ٢٢.
[ ١ / ٢٠٣ ]
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٣ - محمد بن عجلان المدني القرشي مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله، أحد العلماء العاملين، روى عن أبيه وأنس بن مالك وسلمان ورجاء بن حيوة وأبي حازم الأشجعي وغيرهم، وعنه صالح بن كيسان -وهو أكبر منه- وعبد الوهاب بن بخت -ومات قبله- وابن أبي عبلة -وهو من أقرانه- ومالك ومنصور وشعبة وخلائق. وثقة أحمد وقال ابن عينية: كان ثقة، ووثقه ابن معين وإسحاق بن منصور، ووثقه النسائي وأبو حاتم وأبو زرعة ووثقه الأكثرون، وأخرج له مسلم في المتابعات. مات بالمدينة سنة ١٤٨، وقيل: ١٤٩، رحمنا الله وإياه.
٤ - قعقاع بن حكيم الكناني المدني، روى عن أبي هريرة -وقيل: لم يلقه- وعن جابر وعائشة وعبد الرحمن بن وعلة وغيرهم، وعنه زيد بن أسلم ومحمد بن عجلان وسعيد المقبري وسمي مولى أبي بكر وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه أحمد وابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بحديثه بأس.
٥ - أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني مولى جويرية بنت الأحمر الغطفاني، شهد الدار زمن عثمان وسأل سعد بن أبي وقاص مسألة فيها الزكاة، روى عن أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وعقيل بن أبي طالب وغيرهم، وعنه أولاده سهيل وصالح وعبد الله وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن دينار ورجاء بن حيوة والأعمش وأبو حازم سلمة بن دينار في آخرين، وثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال ابن سعد: كثير الحديث مات سنة ١٠١.
٦ - أبو هريرة: تقدم ١.
• التخريج
أخرجه مالك وأبو داود وأحمد وابن ماجه ومسلم بلفظ: "إذا جلس أحدكم على حاجته. ." إلخ وابن حبان، كلهم في الطهارة بألفاظ متقاربة، وأخرجه الدارمي وأبو عوانة.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (إنما) هذه اللفظة أصلها كلمة (إن) التي هي للتوكيد وتختص بالدخول على الأسماء وتعمل فيها، فإذا جاءت متصلة بـ (ما) أزالت اختصاصها
[ ١ / ٢٠٤ ]
بالأسماء، فتحدث فيها أمرين: أحدهما: في العمل وهو كونها يبطل اختصاصها بالأسماء فتهيئها للدخول على الأفعال، فيجوز فيها حينئذ الإعمال على الأصل، والإهمال على أن الحرف إذا بطل اختصاصه بطل عمله. والثاني: من جهة المعنى فإنها حينئذٍ تفيد الحصر، ويكون الحصر بحسب المقام كما يأتي إن شاء الله تعالى في حديث عمر ٧٥، وهو نفي الحكم عما عدا المذكور وإثباته للمذكور، وهي هنا لإثبات صفة الشفقة عليهم في أمر دينهم وتمكينهم من سؤاله عنه، ونفي الموجب لعدم السؤال عن الحكم ونفي الاستنكاف عن الإجابة فيما يسألونه عنه، كما هي عادة الابن مع أبيه فإنه قد يسأله عن أشياء لا يقدر على أن يسأل غيره عنها.
وقوله: (مثل) بالرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو (أنا) و(ما) كافة لإن عن العمل، والمثل والمثيل: الشبه والنظير، والمراد كما تقدم في الشفقة والمحبة والحرص على الخير بل أشد وأعرف بذلك، كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. وقوله: (أعلمكم) يحتمل أنها جملة حالية، ويحتمل أنها استئنافية لبيان ما يترتب على كونه مثل الوالد، وهو أنه يعلمهم فيكون المعنى: فأنا أعلمكم أي: كل ما تحتاجون إليه وقوله: (إذا ذهب) إلخ، تقدم الكلام على هذه الألفاظ: إذا، والخلاء، واستقبال القبلة واستدبارها، ويأتي الكلام على الاستنجاء باليمين إن شاء الله. وقوله: (وكان) هذا من كلام أنس والضمير يعود على النبي - ﷺ -، أي: كان النبي - ﷺ -. قوله: "يأمر. ." إلخ أي يأمر من أراد الاستنجاء أن يستنجي بثلاثة أحجار، ولا مفهوم للأحجار بل ما في معناها له حكمها، لكنه يدل على أن الغالب عليهم الاستنجاء بالأحجار دون غيرها.
وقوله: (ونهى عن الروثة والرمّة) هذا هو محل الشاهد في الحديث للترجمة، والروثة معروفة وهي: بعرة الحمار والفرس، وما شاكلهما يلحق بهما على أن النهي معلل بأنه لمنفعة الجن، وأما على أنها نجسة فلا يصح الإلحاق عند من يرى أن بعر ما يؤكل لحمه طاهر. والرِّمَّة بالكسر: العظم البالي، والمراد هنا: العظم مطلقًا.
• الأحكام والفوائد
فيه النهي عن استقبال القبلة واستدبارها وقد تقدم الكلام عليه، وفيه دليل
[ ١ / ٢٠٥ ]
على جواز الاستجمار بالأحجار، وعلى طلب أن يكون ثلاثًا وسيأتي الكلام عليه، وفيه: عدم جواز الاستنجاء باليمين وسيأتي إن شاء الله، وتقدم النهي عن مس الذكر باليمين، وفيه: عدم جواز الاستنجاء بالروثة والعظم، وقد اختلفوا فيه هل هو حرام أو مكروه؟ وتقدم تعليله في الحديث الذي قبله. فأما كونه ثلاثًا فهو الواجب عند الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وقالوا: إن ثلاث مسحات تجزئ ولو على حجر واحد، وكل شيء عندهم يحصل به الإنقاء ولم ينه عنه فهو مثل الأحجار، لأن التنصيص عليها خرج مخرج الغالب، وسيأتي في حديث ابن مسعود حجة القائلين بعدم وجوب الثلاث. وفيه الأمر بالاستعداد عند دخول الخلاء بالمزيل من ماء أو غيره، وفيه الحرص على تعليم الناس الخير وعناية الشرع بالنظافة والأدب في كل الأمور.