٥٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: دَعُوهُ لَا تُزْرِمُوهُ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ: يَعْني لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ.
• [رواته: ٤]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - حماد بن زيد: تقدم ٣.
٣ - ثابت بن أسلم البناني أبو محمد البصري، روى عن أنس بن مالك وابن الزبير وابن عمر وابن مغفل وعمر بن أبي سلمة وشعيب والد عمرو وابنه
[ ١ / ٢٣٣ ]
عمرو -وهو أكبر منه- وجماعة غيرهم، وعنه من أقرانه عطاء بن أبي رباح وقتادة وسليمان التيمي وغيرهم، وآخر من روى عنه عمارة بن زاذان أحد الضعفاء، له نحو ٢٥٠ حديثًا على ما نقله البخاري عن ابن المديني. قال أحمد: ثابت يتثبت في الحديث، ووثقه العجلي والنسائي وأثنى عليه العجلي في الصلاح. قال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزهري، ثم ثابت، ثم قتادة. ووثقه ابن سعد، مات سنة ١٢٧، وقيل: ١٢٣، والله أعلم.
٤ - أنس بن مالك - ﵁ -: تقدم ٦.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم من رواية إسحاق بن عبد الله، ومن رواية يحيى بن سعيد الأنصاري كلاهما عن أنس، ومسلم من رواية ثابت، والبخاري من رواية أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجه. وأخرجه أبو داود والترمذي من رواية أبي هريرة ولفظهما: "أن أعرابيًا دخل المسجد فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني وارحم محمدًا ولا ترحم معنا أحدًا. فقال النبي - ﷺ -: لقد تحجرت واسعًا، ثم لم يلبث أن بال في المسجد" إلخ.
وأخرجه الدارمي من رواية يحيى بن سعيد كرواية المصنف. وللحديث طرق فيها زيادة رواية: "أخذ ما بال عليه"، وفي بعضها: "أمر بمكانه فاحتُفر"، وكلها منكرة أو ضعيفة لأن بعضها من رواية سمعان بن مالك، وبعضها من رواية عبيد الله بن أبي حميد الهذلي وهو منكر الحديث، وفي رواية لابن عباس: "أنه بايعه ثم انصرف ففشح ثم بال" وقال الهيثمي: رجالها رجال الصحيح.
• اللغة والإعراب والمعنى
(الأعرابي) بفتح الهمزة: البدوي، لأنهم فرقوا بين النسبة إلى اللسان العربي وجنس أهله، فقالوا في النسبة إليها: عربي، وبين النسبة إلى البادية فقالوا فيها: أعرابي، وقد ورد في تعيينه عن ابن المديني أنه ذو الخويصرة اليماني، وقيل: ذو الخويصرة التميمي.
قلت: وهو حرقوص بن زهير الذي صار رأس الخوارج بعد ذلك، وقد تحققت فيه معجزة الرسول - ﷺ - فيما أخبر به من أمر الخوارج، ومن أنهم من
[ ١ / ٢٣٤ ]
جنس هذا الرجل، وقد قيل: إنه الأقرع بن حابس، ومثل هذا من الإبهام هو الذي قد يقصد للستر على صاحب القصة. وقوله: (بال في المسجد) وفي رواية: "في طائفة المسجد". وأل في المسجد للعهد الذهني، لأنه المعروف عند السامعين أنه مسجد النبي - ﷺ -. وقوله: (فقام إليه) أي إلى الأعرابي، وقوله: (بعض القوم) المراد بهم الصحابة فأل فيه أيضًا للعهد الذهني، أي: قاموا ليمنعوه من البول، مبادرة إلى تغيير المنكر والفاء إمَّا للعطف وهو الأقوى، أو للسببية وهو محتمل فيها وليس بالقوي، وجملة (بال) في محل رفع خبر إن، وجملة (إن) مع ما دخلت عليه؛ يسبك منها مصدر مجرور بالباء على تقدير: عن أنس حدث بأن إلخ.
وقوله: (دعوه) أي اتركوه، وهذا الفعل لم يستعمل منه في الغالب إلا المضارع والأمر الذي هو فرعه، وهجر منه في الغالب الماضي واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر، واستعملوا الترك بدلًا من هذه التصاريف مع أن الكل قد سُمع. ففي الحديث: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم" الحديث. قال في القاموس: وقد أميت ماضيه، يقال فيه: ترك.
وجاء في الشعر: ودعه فهو مودع، قال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الحب حتى ودعه
لا يكن برقك برقًا خلبًا إن خير البرق والغيث معه
وهذان البيتان ينسبان لأنس بن زينم.
وقال خفاف بن ندبة:
إذا ما استحمت أرضه من سمائه جرى وهو مودوع وواعد مصدق
ولكن ابن بري لا يرى أن مودوعًا هنا بمعنى متروك، بل يرى أنها من الدعة وهي: الراحة والسكون.
قال صاحب اللسان: أنشد الفارسي في البصريات:
فأيهما ما أتْبَعنَّ فإنني حزين على ترك الذي أنا وادع
وأنشد ابن حجر -رحمه الله تعالى-:
ونحن ودعنا آل عمرو بن عامر فرائس أطراف المثقفة السمر
[ ١ / ٢٣٥ ]
قلت: فتحصل من هذا، أن الغالب في الاستعمال؛ هجر ما عدا المضارع والأمر من تصاريف هذا الفعل، ولكن سُمع منه الماضي في الشعر والمصدر فيه وفي الحديث أيضًا، وسُمع اسم الفاعل واسم المفعول في الشعر.
وفي الرواية الأخرى: (اتركوه)، وقوله: (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله، والإزرام: القطع، وزرم بوله ودمعه وكلامه انقطع، كازرأمَّ.
وقوله: (فلما) الفاء عاطفة أو هي الفصيحة أي: فتركوه، فلما فرغ أي: انتهى بوله وفرغ منه، وتقدم الكلام على لما. وقوله: (دعا) أي: طلب، والضمير للنبي - ﷺ -، وقوله (بدلو) يحتمل أن الباء على أصلها في الاستعمال، يقال: دعا بفلان ودعا بكذا؛ إذا طلبه، ويحتمل أن دعا هنا بمعنى أمر، والدلو: آلة الماء الذي يستخرج بها من البئر ونحوه من الجلود، وهو من المعتل الجاري مجرى الصحيح، ويذكر ويؤنث إلَّا أن التأنيث فيه أكثر، قال رؤبة:
تمشي بدلو مكرب العراقي. فَذَكَّرَهُ.
ولكن تصغيره يدل على أن التأنيث فيه أجود؛ لأنهم يقولون فيه دُلْيَةُ، وجمع القلة فيه أدل على أفعل، قلبت الواو لتطرفها بعد الضمة، وجمع الكثرة دلاء كما في قول حسان - ﵁ -:
لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء
ودَلي ودِلي بكسر الدال وكلاهما على فعول، والدلو: برج في السماء، ويقال للداهية. قال الراجز:
يحملن عنقاء وعنقفيرًا والدلو والديلم والزفيرا
والمراد هنا: دلو فيه ماء، كما في الرواية الأخرى: "ذنوبًا من ماء" والذنوب بالفتح: الدلو الكبيرة المملوءة بالماء، ولهذا قال: (فصب عليه) والفاء فصيحة أي: فجيء به فصب عليه، أي: البول المدلول عليه بقوله (فبال)، وفي الرواية الأخرى: "صُب على بوله".
• الأحكام والفوائد
وفي الحديث: المبادرة إلى إنكار المنكر وأن وجود الفاضل لا يمنع المفضول من المبادرة، وفيه: أنه فرض كفاية لأن البعض ابتدروه وكفَّ
[ ١ / ٢٣٦ ]
الآخرون. وفيه: حسن خلق النبي - ﷺ - وحكمته في التعليم والرفق بالجاهل، وأن ذلك هو الواجب على كل مسلم، وأن الأمر مهما أمكن فيه التسهيل فهو أفضل ما لم يؤد إلى خلاف الشرع. وفيه: ارتكاب أخف الضررين؛ لأن البول في المسجد يطهر بالماء، والأعرابي إذا قطع عليه بوله: تضرر في نفسه وتلوثت ثيابه وانتشر البول في المسجد بعد أن كان في محل واحد، فهذه مفاسد متعددة في مقابل البول في المسجد، فهو أخف منها، ودرء المفاسد الكثيرة مع ارتكاب واحدة أخف. وفيه: دليل على نجاسة البول من الآدمي، وهو مجمع عليه فيما عدا الصبي الذي لم يأكل الطعام، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وفيه: وجوب صيانة المسجد عن سائر الأقذار، ولهذا جاء في بعض روايات الحديث أنه قال للأعرابي: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من قاذورات الناس". وفيه: وجوب تطهير البول من المسجد وكذلك مواضع الصلاة، ويلحق بالبول سائر النجاسات. وفيه: بيان كيفية التطهير وأنه يكون بالماء، وتقدم أن الحديث يستدل به القائلون بعدم اعتبار القلة والكثرة في الماء الذي وقعت فيه نجاسة، وتقدم وَجْهُهُ في حديث القلتين. وفيه: حجة للجمهور على أنه لا يجب أخذ ما بال عليه، وتقدم أن ما ورد في ذلك لا يثبت منه شيء. وفيه: أن كل ماء باق على أصله صالح للتطهير، لأنه لم يقيد الماء الذي أمر به.
٥٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَالَ أَعْرَابِىٌّ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ النَّبِىُّ - ﷺ - بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ.
[رواته: ٤]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - عبيدة بن حميد بن صهيب: تقدم ١٣.
٣ - يحيى بن سعيد الأنصاري: تقدّم ٢٣.
٤ - أنس بن مالك - ﵁ -: تقدم ٦.
وتقدم ما يتعلق بالحديث في الذي قبله.
٥٥ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى الْمَسْجِدِ فَبَالَ فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ،
[ ١ / ٢٣٧ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: اتْرُكُوهُ، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ أَمَرَ بِدَلْوٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ.
• [رواته: ٤]
١ - سويد بن نصر بن سويد المروزي الطوساني أبو الفضل، وُيعرف بالشاه. روى عن ابن المبارك وابن عيينة وعلي بن الحسين بن واقد وأبي عصمة وعبد الكبير بن دينار الصائغ، وعنه الترمذي والنسائي، وروى النسائي أيضًا عن محمد بن حاتم بن نعيم عنه، والحسين بن الطيب البلخي وجماعة غيرهم. وثقه مسلمة، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ٢٤٠ وله ٩١ سنة، وقيل: سنة ٢٤١.
٢ - عبد الله بن المبارك: تقدم ٣٦.
٣ - يحيى بن سعيد الأنصاري: تقدم ٢٣.
٤ - أنس بن مالك - ﵁ -: تقدم ٦.
وتقدم ما يتعلق بالحديث أيضًا، فإنه هو الحديث السابق بالروايتين المتقدمتين.
٥٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيُّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ".
• [رواته: ٧]
١ - عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن ميمون القرشي الأموي مولى عثمان أبو سعيد الدمشقي، المعروف بدحيم الحافظ، روى عن الوليد بن مسلم وسفيان بن عيينة ومروان بن معاوية وابن أبي فديك وغيرهم، وعنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وروى له النسائي أيضًا بواسطة أحمد بن المعلى القاضي وزكريا بن يحيى السجزي عنه وروى عنه ابناه إبراهيم وعمرو وبقي بن مخلد وأبو زرعة وغيرهم. وثقه العجلي والنسائي وأبو حاتم والدارقطني، وقال أبو داود: حجة، وأثنى عليه أحمد. ولد في شوال سنة ١٧٠، وتوفي في رمضان سنة ٢٤٥، قال الخليلي: كان أحد حفاظ الأئمة، متفق عليه، وآخر من روى عنه بالشام سعيد بن هشام بن مرثد.
[ ١ / ٢٣٨ ]
٢ - عمر بن عبد الواحد بن قيس السلمي أبو حفص الدمشقي، روى عن يحيى بن الحارث الذماري والأوزاعي ومالك وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وجماعة آخرين، وعنه هشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن وداود بن رشيد ودحيم وغيرهم. وثقه ابن سعد والعجلي، وقال دحيم: مات سنة ١٨٧، ومولده سنة ١١٨. وقيل: مات سنة ٢٠٠، وقيل: سنة ٢٠١، وقيل: ١٩٢.
٣ - عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو واسمه محمد الشامي أبو عمرو الأوزاعي الفقيه، نزل بيروت في آخر عمره فمات بها مرابطًا، روى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وشداد بن عمّار وعطاء بن أبي رباح ونافع مولى ابن عمر وغيرهم، وعنه مالك وشعبة والثوري وابن المبارك وابن أبي الزناد وعبد الرزاق والقطان وجماعة من شيوخه وغيرهم. قيل: أصله من حمير، وقيل: من أوزاع بلد بالشام، وقيل: من أوزاع القبائل، وقيل: أصله من سبي السند. وكان إمام أهل الشام وإليه الفتوى فيهم لفضله، وكان مشهورًا بالفصاحة. قال: عمرو بن علي عن ابن مهدي: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، والثوري، وحماد بن زيد، وقال: ما كان بالشام أعلم بالسنة من الأوزاعي. وثقه ابن معين قال: إمام متبع لما روى، ووثقه ابن سعد، وثناء الأئمة عليه كثير. توفي سنة ١٥٨، وقيل: ١٥١، وقيل: ١٥٥، وقيل: ١٥٦.
٤ - محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي أبو الهذيل القاضي الحمصي، روى عن الزهري وسعيد المقبري وعبد الرحمن بن جبير بن نفير ونافع مولى ابن عمر وغيرهم، وعنه الأوزاعي وشعيب بن أبي حمزة -وهو من أقرانه-، وأبو بكر بن الوليد ويحيى بن حمزة الحضرمي وإسماعيل بن عياش في جماعة آخرين. وثقه ابن معين وابن المديني وابن سعد والنسائي والعجلي وأبو زرعة الرازي ودحيم. مات سنة ١٤٨، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة.
٥ - ابن شهاب الزهري: تقدم ١.
٦ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله المدني، روى عن أبيه وأرسل عن عم أبيه عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وعمر، وروى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وابن عمر وعثمان بن حنيف وسهل بن حنيف والنعمان بن بشير وأبي سعيد الخدري وأبي طلحة الأنصاري وجماعة
[ ١ / ٢٣٩ ]
غيرهم، وعنه أخوه عون والزهري وسعد بن إبراهيم وأبو الزناد وصالح بن كيسان وعراك بن مالك وموسى بن أبي عائشة وجماعة آخرون، قال الواقدي: كان عالمًا ثقة فقيهًا كثير الحديث والعلم شاعرًا، وقد عمي في آخر عمره. قال العجلي: كان أعمى، وكان أحد فقهاء المدينة، تابعي ثقة رجل صالح جامع للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز.
قلت: كان أحد فقهاء المدينة السبعة، وقد أجمعوا على فضله وتقدمه في العلم والفضل، وكان شاعرًا مجيدًا. وقد ذكر ابن كثير -﵀- عنه أنه لما أرسل إليه عبد العزيز بن مروان ولده عمر، ليتفقه عليه وعلى غيره من فقهاء المدينة فلزمه عمر، وأنّه بلغه أن عمر تكلم في علي على ما جرت به عادة بني أمية السيئة، فلما جاءه عمر سلّم فلم يرد ﵇، فأعاد السلام ثلاثًا فقال له عبيد الله: متى علمت أن الله سخط على أهل بدر والحديبية بعدما رضي عنهم؟ ففهم عمر ذلك، فقال له: أقلني وأعاهد الله أن لا أذكره إلا بخير.
فلذلك لما تولى الخلافة جعل بدل اللعن: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية. مات سنة ٩٤ أو ٩٥ أو ٩٨ أو ٩٩.
٧ - أبو هريرة تقدم: ١.
• التخريج
هذه إحدى روايات الحديث المتقدم وهي رواية أبي هريرة، وتقدم ما يتعلق به إلا قوله: (تناوله الناس) والمراد: أنهم قاموا إليه ليمنعوه كما تقدم. و(أهريقوا) معناها أريقوا، من الإراقة وهي: صب الماء ونحوه من المائعات بالأرض. قال صاحب التاج: أصلها لغة يمانية انتشرت في مضر. قلت: قال كعب بن مالك الخزرجي - ﵁ - في يوم أحد يذكر قريشًا:
وراحوا سراعًا موجعين كأنهم جهام هراقت ماءه الريح مقلع
ورحنا وأخرانا بطاء كأننا أسود على لحم بيبشة ظلع