٧١ - أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - جَمِيعًا.
• [رجاله في الطريقين سبعة]
١ - هارون بن عبد الله بن مروان البزار: تقدم ٦٢.
٢ - معن بن عيسى الأشجعي: تقدم ٦٢.
٣ - الحارث بن مسكين: تقدم ٩.
٤ - عبد الرحمن بن القاسم العتقي: تقدم ٢٠.
٥ - مالك بن أنس: تقدم ٧.
٦ - نافع مولى ابن عمر: تقدم ١٢.
٧ - عبد الله بن عمر -﵄-: تقدم ١٢.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
• التخريج
أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه والبيهقي ومالك في الموطأ وأشار إليه الترمذي، وفي صحيح ابن خزيمة من رواية عبيد الله العمري عن نافع عن ابن عمر: "أنه أبصر النبي - ﷺ - وأصحابه يتطهرون، والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهرون منه".
• اللغة والإِعراب والمعنى
قوله: (جميعا): أي حال كونهم مجتمعين، وآل في قوله (الرجال والنساء) المراد بها: الحقيقة لا الاستغراق وليس المراد منها العموم وإن كان المتبادر العموم لأن القرينة خصصته بالبعض، ولذا قال بعض العلماء: إن الجمع المتناول للعموم إذا عُرِّف بأل كان دلالته على الجنس مجازية، وهو في حكم النكرة يعم في النفي ويخص في الإِثبات، فلو قلت: فلان يركب الخيل صح أنه يركب بعضها، ويعلم قطعًا أنه لم يركب الكل، وأما لو قال: والله لا أركب الخيل، ولا أتزوج النساء فإنه يحنث في كل ما يركبه، أو يتزوجه لأنه حينئذ عم. ذكر معناه العيني -﵀-.
• الأحكام والفوائد
الحديث يدل على جواز وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد وذلك يستلزم جواز وضوء كل منهما بفضل وضوء الآخر، فإن اغتراف كل واحد من الإناء يجعل ما بقي فضل وضوئه، والأكثرون على أن الصحابي إذا أسند الفعل لزمن الرسول - ﷺ - كان له حكم الرفع فهذا في حكم المرفوع، ووجه الدليل ليس قول ابن عمر وإنما هو تقرير النبي - ﷺ - على ذلك، وفي رواية ابن خزيمة المتقدمة التصريح بنسبة الفعل إلى النبي - ﷺ -، وكذلك الروايات الآتية في الغسل مع زوجاته، وأمَّا ما رُوِيَ من توجيه ذلك على أنه محمول على تعاقبهم بأن يتوضأ الرجال ثم النساء بعدهم فظاهر الروايات يردُّه، والتصريح في رواية ابن خزيمة بأنه من إناء واحد وكذلك الأحاديث الآتية في الغسل وقد اختلف العلماء في هذه المسألة.
وخلاصة الخلاف: أن مالكًا، والشافعي، وأبا حنيفة، -﵏-
[ ٢ / ٢٨٩ ]
أجازوا وضوء الرجل وغسله من فضل ماء المرأة، ولا فرق عندهم بين أن تخلو به، أو يجتمعا عليه، وهو قول لأحمد -رحمة الله على الجميع- وذهب الإِمام أحمد في المشهور عنه، وداود الظاهري إلى كراهية وضوء الرجل بفضل المرأة إذا خلت بالماء دون ما إذا اجتمعا عليه، واحتج أحمد ومن وافقه بأحاديث النهي وستأتي إن شاء الله، ويأتي الكلام عليها كحديث الحكم بن عمرو الغفاري، وهو في السنن وسيأتي للمصنف، وحسَّن الترمذي إسناده، وصححه ابن حبان، وذكر النووي أن الحفاظ اتفقوا على تضعيفه، وتعقَّبه ابن حجر، وفيه النهي عن وضوء كل منهما بفضل الآخر، وبما أخرجه أبو داود والمصنف كما سيأتي من طريق حميد بن عبد الرحمن الحميري وفيه: "لقيت رجلًا صحب النبي - ﷺ - أربع سنين كما صحبه أبو هريرة وقال: "نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة وَلْيغترفا جميعًا" رجاله ثقات ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ثم ذكر الوهم الذي حصل لابن حزم في الراوي، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله عند ذكر الحديث رقم ٢٣٨.
وأما القائلون بالجواز فيحتجون بهذا الحديث، والأحاديث التي في معناه وسيأتي بعضها إن شاء الله وهي ثابتة عن تسعة من الصحابة: أبي هريرة وعلي وجابر وابن عباس وأنس وعائشة وميمونة وأم سلمة وأم هانئ، وصريح في عدم الكراهة حديث ابن عباس أن بعض أزواج النبي - ﷺ - اغتسلت من جفنة فجاء النبي - ﷺ - يتوضأ منها فقالت: يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال: "إن الماء لا يجنب". وروى ابن ماجه والطحاوي من حديث أم صبية الجهنية أنها قالت: "ربما اختلفت يدي ويد رسول الله - ﷺ - في الوضوء من إناء واحد". وقد أخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه وابن خزيمة وسيأتي حديثه، أي حديث ابن عباس أيضًا: "أن النبي - ﷺ - توضأ بفضل غسلها من الجنابة" وللدارقطني عن ابن عباس أيضًا، عن ميمونة قالت: "أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي - ﷺ - يغتسل منه فقلت له: إني كنت جنبًا، فقال: إن الماء لا يجنب". قال ابن حجر: أعله قوم بسماك فإنه كان يقبل التلقين، وأجيب بأن الذي رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلَّا
[ ٢ / ٢٩٠ ]
صحيح حديثهم، وبحديث عبد الله بن سرجس وهو يروى مرفوعًا وموقوفًا وخطَّأ البخاري من رفعه.
وقال البيهقي: الموقوف أولى بالصواب لكن العيني -﵀- يرى أن كلام البخاري غير مسلَّم لأن الذي رفعه ثقة، ولم يوافقه الأكثرون على ذلك، وقد نقل النووي والطحاوي والقرطبي الاتفاق على الجواز إذا اجتمعا، وأما إذا انفرد الرجل به، أو المرأة به فهو محل الخلاف، وذكر النووي أن انفراد الرجل به قبل المرأة أيضًا متفق على جوازه، وهو غير مسلَّم، قلت: والظاهر أن هذه المسألة الأقوى فيها القول بالجمع بين هذه النصوص، وذلك يحصل بأحد أمرين: إما بحمل النهي على الكراهة، ويكون ثبوت الفعل قرينة صارفة عن حمله على التحريم، وإما أن يحمل النهي على الماء المتقاطر من الأعضاء دون الباقي بعد التطهير في الإِناء، لأن أحاديث الجواز صريحة في جواز التطهير به بعد الانفراد بالماء كما تقدم، ومن أمعن النظر تبين له ضعف القول بتخصيص الكراهة عند انفراد المرأة لأنه إنما ورد النهي عن الأمرين، والمأثور في الرخصة كحديث ميمونة نص في انفرادها بالماء.
ولا يشكل على هذا أن الأحاديث الواردة فعل وهو لا يعارض القول لأن في بعض الأحاديث التصريح بالقول كقوله: "إن الماء لا يجنب"، ولأن حديث ابن عمر فيه التعميم في الفعل، أي فعل النبي - ﷺ - وغيره من الأمة، والقاعدة المذكورة إنما هي في معارضة فعله هو فقط لأمره أو نهيه للأمة.
وقد قال الإِمام أحمد: -﵀- إن أحاديث الباب مضطربة وأنه ثبت عنده أن بعض الصحابة كره وضوء الرجل بفضل المرأة إذا خلت به، من أن المأثور عن ابن عمر تخصيص ذلك بما إذا كانت حائضًا وقد قابله بالكراهة في فضلة الرجل إذا كان جنبًا.
وذكر ابن عبد البر أن ابن عباس سئل عن فضل وضوء المرأة فقال: هن ألطف بنانًا، وأطيب ريحًا والله تعالى أعلم. قلت: وهذه الحالة المذكورة في الحديث محمولة على أن المسألة كانت قبل الحجاب، وإلا تعين أن يخص بذلك الرجال مع ذوات المحارم من النساء والله أعلم.
[ ٢ / ٢٩١ ]