٨٤ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - ﵁ - تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَىْءٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
[ ٢ / ٣٣١ ]
• [رجاله: ٧]
١ - سويد بن نصر: تقدّم ٥٥.
٢ - عبد الله بن المبارك: تقدّم ٣٦.
٣ - معمر بن راشد: تقدّم ١٠.
٤ - محمد بن شهاب: تقدّم ١.
٥ - عطاء بن يزيد الليثي: تقدّم ٢١.
٦ - حمران بن أبان مولى عثمان أصله من النمر بن قاسط سُبيَ بعين التمر فابتاعه عثمان من المسيب بن نحيبة فأعتقه.
روى عن عثمان ومعاوية، وعنه جماعة كثيرة من التابعين منهم: أبو وائل شقيق بن سلمة وهو من أقرانه وعروة بن الزبير وجامع بن شداد وغيرهم، قال ابن معين: من تابعي أهل المدينة، ومحدثيهم، قال ابن سعد: نزل البصرة وادعى ولده في النمر بن قاسط وكان كثير الحديث، قال: ولم أرهم يحتجّون بحديثه.
قال ابن عبد البر: في التمهيد في ترجمة هشام بن عروة ونسبه (أي حمران) إلى النمر بن قاسط ابن عم صهيب بن سنان وذكر أنه من العلماء الجلّة وأهل الوجاهة والرأي والشرف، وذكر أنه روى بسند صحيح عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن المسور أن عثمان مرض فكتب العهد لعبد الرحمن بن عوف ولم يطلع على ذلك، ثم أفاق عثمان فأطلعه حمران على ذلك يعني عبد الرحمن بن عوف فبلغ ذلك عثمان فغضب عليه فنفاه. اهـ.
وذكر ابن حبان الثقات، توفي سنة ٧١ هـ، أو سنة ٧٦ هـ، والله أعلم.
٧ - أمير المؤمنين عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي أبو عمرو وأبو عبد الله ويقال أبو ليلى ذو النورين لأنه تزوج بنت رسول الله - ﷺ - رقية فماتت عنده فتزوّج أختها أم كلثوم، وأمه أروى بنت كريز ابن حبيب بن عبد شمس، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين وجمع بين الطيَّبتين الطاهرتين على ما تقدّم ومناقبه كثيرة - ﵁ -.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
روى عن النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر -رضي الله عن الجميع- وعنه أولاده أبان وسعيد وعمرو ومواليه حمران وهانئ البربري وأبو صالح وأبو سهلة ويوسف بن وارة وابن عمه مروان بن الحكم وجماعة كثيرون من الصحابة والتابعين وشهرته في العبادة والصلاح والكرم والحلم والحياء معروفة فقد أخبر عنه - ﷺ - أن الملائكة تستحي منه إلى غير ذلك من خصال الخير المشهورة غنيَّة عن الذكر وقد بشّره النبي - ﷺ - بالجنة وأخبره أنه سيبتلى وأمره بالصبر، ونقل ابن كثير -﵀- في كتابه البداية والنهاية عن عثمان - ﵁ - أنه رأى الرسول - ﷺ - وصحبيه وهو محصور في الدار فقال له رسول الله - ﷺ -: "يا عثمان الحقنا لا تحبسنا فإنا ننتظرك" وفي رواية قال: (يا عثمان أفطر عندنا الليلة فأصبح صائمًا). وقتل سنة ٣٥، وفي رواية قال له: (إنك شاهد معنا الجمعة). وذلك أوسط أيام التشريق سنة ٣٥، وذكروا أنه قال لأبي هريرة وكان ممن يدافع عنه: عزمت عليك إلا رميت سيفك فإني سأقي المؤمنين بنفسي اليوم قال أبو هريرة: فرميت سيفي فلا أدري أين هو حتى الساعة.
وهكذا قال للذين كانوا عنده وصبر حتى قتل - ﵁ - وقد ولي الخلافة بعد دفن عمر - ﵁ - بثلاثة أيام هي أيام الشورى، وكان ذلك غرة المحرم سنة ٢٤ هـ، وقيل يوم النحر فيها.
قلت: وهو ضعيف والله أعلم. بل هو باطل لاتفاقهم على أن عمر إنما قتل بعد رجوعه من الحج.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد وابن الجارود والدارمي والدارقطني وذكره الطيالسي مختصرًا وأخرجه ابن خزيمة وأشار له الترمذي.
• اللغة والإِعراب والمعنى
قوله: (رأيت عثمان بن عفان توضأ) تقدّم الكلام على مثل هذا وأن رأى بصرية وجملة توضأ حالية على تقدير قد توضأ أو جعل الماضي بمعنى المضارع، ويحتمل تقدير شرع يتوضأ والفاء تفصيلية عاطفة لمفضل على مجمل
[ ٢ / ٣٣٣ ]
كقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا﴾ مفصلة لإِجمال توضأ مبيّنة لكيفية الوضوء و(أفرغ) صب والمفعول محذوف للعلم به أي صب الماء على يده لأنه الذي يتوضأ به عادة وأفرغ يُفرغ إفراغًا وتفريغًا الماء أو الشراب صبه، و(ثم) لترتيب الفعل كما يأتي و(تمضمض) أخذ الماء وجعله في فمه فخضخضه والمضمضة في اللغة: التحريك مضمض وتمضمض إذا جعل الماء في فمه، وحرّكه قيل أصله أن يجعله في فمه ويديره فيه، وقيل لا تشترط الإِدارة، وظاهر اللفظ يقتضي الخض والتحريك، ومضمض الإِناء غسله، ومضمض النعاس في عينيه إذا نعس نعاسًا خفيفًا. ومنه قول الشاعر:
لما انصرفن على الحوايا مضمضت بالنوم أعينهن بعد غراري
والمضمضمة هنا جعل الماء في الفم، وخضه فيه كما تقدّم لأنها في عرف الشرع لهذا المعنى.
وقوله: (استنشق) الاستنشاق: أخذ الماء بريح الأنف، والوجه مشتق من المواجهة وقد تقدّم في شرح الآية أنه من منابت الشعر المعتاد إلى آخر الذقن. والذقن منه وكذا ما بين الصماخين، وبياض العارضين منه على الصحيح، خلافًا لما أقبل من الأذنيين وتقدّم الكلام على هذا مستوفى في شرح الآية والحمد لله و(اليمنى): تأنيث الأيمن من اليمن ضد اليسرى أي بدأ بيده اليمنى فغسلها وقوله: (ثلاثًا) بيان للعدد وتقدّم الكلام على ذلك و(اليد) هي الجارحة المعروفة وتقدّم أنها تطلق على كل العضو من المنكب إلى الأصابع والمقام أو السياق يقيّدها ويحدد المراد منها كما هنا حدّدها بقوله (إلى المرفق). والمرفق: من الارتفاق وتقدّم أن اليد من الأسماء المحذوفة اللام ولامها ياء في الأصل لأنها تصغر على يديه وهذا كله تقدّم في شرح الآية في أول الكتاب والحمد لله.
والمرفق تفتح ميمه مع كسر الفاء وتكسر مع فتحه وهو العظم في منتهى الذراع عند مفصله وهو داخل في الحد بدليل هذه الأحاديث التي تنص على غسله في الوضوء، وقوله (مسح برأسه) تقدّم بيانه ولم يذكر تثليثًا فلذلك لم يقل به الجمهور.
(ثم غسل قدمه اليمنى) والقدم طرف الرجل مما يلي الأرض، ولم يذكر حدًا لها وسيأتي أنه إلى الكعبين كما في الآية الكريمة وقوله (رأيت) من الرؤية
[ ٢ / ٣٣٤ ]
البصرية أي أبصرته، وقوله (توضأ) تقدّم أنها جملة حالية أي وقد توضّأ.
وقوله: (نحو) صفة لمصدر محذوف التقدير وضوءًا نحو أي يشبه وضوئي هذا. أي مماثلًا له أو قريبًا منه، قال بعض العلماء: نحو أوسع من التعبير بمثل لأن المشابهة أوسع مدلولًا من المماثلة.
وقوله: (هذا) إشارة إلى الفعل الذي فعله وهم ينظرون إليه، (ثم صلى ركعتين) والتحديد أقل فلو صلى أكثر من ذلك لكان أفضل وهذا هو الغالب على التحديد في النوافل.
وقوله: (لا يحدث نفسه فيهما بشيء غفر له ما تقدّم من ذنبه) لا نافية ويحدث نفسه يجري على خاطره شيء من الفكر في أمور الدنيا لأن اللفظ من باب العام الذي أريد به الخصوص بالحديث في أمور الدنيا، وأما الآخرة فحديث النفس فيها هو الخشوع أو وسيلته العظمى وهو المطلوب هنا. وحديث النفس ما يجري في القلب من الخواطر، يقال: حدّثته نفسه أي فكّر في أمر ما.
قال الشاعر:
إذا حدّثتك النفس أنك قادر على ما حوت أيدي الرجال فكذّب
تقدم الكلام على معنى (غفر له) وسيأتي أنه على نوعين الكلام على فوائد الحديث.
و(الذنب) المعصية، وظاهره الإِطلاق، وهو عند الجمهور مقيّد أو مخصوص بحديث ما اجتنبت الكبائر كما سيأتي إن شاء الله.
• الأحكام والفوائد
الحديث فيه دليل على ما ترجم له المصنف من المضمضة والإِستنشاق وهو من الأحاديث المشهورة بين المحدثين والفقهاء في بيان كيفية الوضوء، وفيه: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإِناء ولو لغير القائم من النوم، وفيه: البداءة باليمين، وفيه: ترتيب أفعال الوضوء على نظم القرآن، وفيه: التثليث في سائر الأعضاء ماعدا الرأس فإنه لم يذكر فيه التثليث فهو حجة للجمهور ولم يذكر فيه مسح الأذنين.
أما أنه سقط على بعض الرواة أو أنه مسحها مع الرأس فاكتفى بذكر
[ ٢ / ٣٣٥ ]
الرأس، كما أنه لم يذكر الاستنثار، وسيأتي الكلام على الكل إن شاء الله، وفيه رد لقول بعض المالكية: لا يندب التثليث في غسل الرجلين.
والحديث فيه: التعليم للحاضرين بالفعل وهو أبلغ من القول، وفيه: وضوء الإِمام بحضرة الناس ولا خلاف فيه للتعليم كان أو لغيره، وفيه: دليل على فضل الصلاة بعد الوضوء فرضًا كانت أو نفلًا إن لم يكن في وقت كراهة عند غير الشافعي ويسمي الفقهاء هاتين الركعتين سنة الوضوء ويدل على تأكّدهما حديث بلال المعروف وهو في الصحيحين أنه - ﷺ - قال له: "يا بلال إني سمعت خشخشة نعليك في الجنة فأخبرني عن أرجى عمل عملته؟ قال: ما أحدثت إلا توضّأت ولا توضّأت إلا صليت ما كتب لي".
وسيأتي ما هو أصرح منه أو مثله في ذلك.
وفيه: دليل على فضل الخشوع وأن الحسنات تكفر السيئات وقد اختلف العلماء من ذلك في كون المكفر من السيئات الصغائر فقط أو يتناول الكبائر كما هو الظاهر، والمخصص له ما جاء في الروايات الأخر من أن الصلاة تكفر السيئات ما لم تغش الكبائر وقوله -﷿-: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ وغير ذلك مما دل على أن المراد هنا الصغائر، وفيه: فضيلة ترك حديث النفس في الصلاة وهو على نوعين: ما يهجم على القلب من الخواطر ابتداء وهذا غير مقدور للعبد تركه أي ليس في قدرته، لكن المطلوب الإعراض عنه وعدم الاسترسال فيه وصرف الفكر إلى الآخرة عنه.
والثاني: ما يستجلبه الإِنسان بالتفكير في أمور الدنيا وهذا هو المذموم لأنه من كسب العبد.
قلت: أما غسل اليدين قبل إدخالهما في الإِناء فقد تقدّم في حديث النهي عن غمس اليد في الإِناء في أول الكتاب، وأن الجمهور على أنه سنة مطلقًا، وأن هذا هو الصحيح الذي تؤيده الأدلة من الأحاديث الثابتة في صفة وضوئه - ﷺ - على أي حال كان، وخلفائه ومن نقل صفة الوضوء من أصحابه.
وأما المضمضة والاستنشاق فقد اختلف العلماء في حكمهما مع اتفاقهم على أنهما مطلوبتان في الطهارة الصغرى والكبرى، فذكر العيني في شرح
[ ٢ / ٣٣٦ ]
البخاري قال: هما سنتان في الوضوء فرضان في الغسل يعني على مذهبه مذهب الإِمام أبي حنيفة -﵀-، قال: وبه قال الثوري، وقال الإِمام الشافعي -﵀-: هما سنّتان فيهما وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري والزهري وقتادة والحكم وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والأوزاعي والليث وهو رواية عن عطاء وأحمد وعنه أنهما واجبتان فيهما وهو مذهب ابن أبي ليلى وحماد وإسحاق، والمذهب الرابع: أن الاستنشاق واجب في الوضوء وفي الغسل دون المضمضة وبه قال أبو ثور وأبو عبيد وهو رواية عن أحمد أيضًا وسيأتي الكلام على هيئتهما إن شاء الله.