١٠٤ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ ح وَأَخبرنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ
[ ٢ / ٣٧٧ ]
الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ بِلَالٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَى الْخِفَّيْنِ وَالْخِمَارِ.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود ولكن قال عن أبي عبد الرحمن السلمي وفيه: "على عمامته وموقيْه" بدل "خُفّيه"، وأخرجه الطيالسي، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة في صحيحه، والترمذي، وابن ماجه، وفي مسند أحمد بلفظ: "امسحوا على الخفين والخمار" ورواه البيهقي في السنن.
• اللغة والإِعراب والمعاني
قوله: (رأيت رسول الله يمسح) تقدم نحو هذا وأن الرؤية بصرية والجملة حالية و(الخفَّان) تثنية خف ما يلبس في الرِجْل من جلد ساتر لمحل الفرض الذي يغسل في الوضوء وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله والمراد بقول بلال: (على الخمار) يعني العمامة كما تقدم في حديث المغيرة والخمرة والخمار ما يغطى به الرأس ومنه سمي غطاء رأس المرأة خمارًا قال الشاعر:
قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا صنعت براهب متعبد
ويقال: الخمر والخمرة بالكسر الهيئة كاللحفة من اللحاف والجمع خمر بالضم والسكون ومنه قول حسان - ﵁ -:
تظل جيادنا متمطرات يلطمهن بالخمر النساء
ويجمع على أخمرة. قال جرير:
هن الحرائر لا ربات أخمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسور
والتخمير في الأصل التغطية ومنه تخمير الإِناء كما في الحديث وتخمر الشراب صار خمرًا يغطي العقل والخمر أيضًا الشجر الملتف لأنه يغطى من دخله، قال الشاعر:
ألا يا زيد والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق
• الأحكام والفوائد
الحديث دليل على جواز المسح على الخفين في الوضوء وليس في هذه الرواية التصريح بأنه كان في الوضوء ولعلها جواب لمن سأل عن ذلك في
[ ٢ / ٣٧٨ ]
الوضوء لأنه لا معنى لذكر هذه الحالة إلا في الوضوء ويبين ذلك ما في حديث أسامة الآتي ١١٩ ففيه التصريح بأن ذلك في الوضوء وقد اتفق علماء السنة على أنه جائز بل سنة بعد خلاف يسير كان في الصدر الأول سببه ما حصل من بعض الصحابة من توهم أن المسح منسوخ بالغسل ثم انعقد إجماعهم بعد ذلك عليه. وعلى أنه غير منسوخ ويأتي الكلام عليه إن شاء الله في بابه، ومحل الشاهد هنا أنه مسح على الخمار وهو العمامة كما تقدم، وفي الحديث دليل على ذلك واختلف العلماء في المسح على العمامة: فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز المسح عليها بلا ضرورة بدون شيء من الرأس بل لابد من بعض الرأس قدر الواجب عندهم مسحه على اختلافهم في ذلك وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمَّد والشعبي والنخعي وحماد بن أبي سليمان وإليه ذهب مالك والشافعي وأهل الرأي واحتجوا بأن الأحاديث في المسح على العمامة محتملة وبعضها ظاهره يدل على أنه مسح بعض الرأس وكمَّل عليها كما في رواية المغيرة الآتية وردوا روايات المسح من غير ذكر بعض الرأس إلى هذه التي فيها ذكر بعضه.
وأيضًا فإن الأحاديث في ذلك الفعل محتملة لأن يكون المسح كان لعلَّةٍ.
قلت: والمشهور من مذهب الجمهور مالك وغيره أن لا يمسح عليها إلا من علَّة كالجبيرة وهو قول أكثر الفقهاء الشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، وذهب جماعة آخرون إلى جواز المسح مطلقًا أعني على أي صفة كانت العمامة وهو مروي عن الثوري والأوزاعي. ووافقهم أحمد ولكن بشرط أن تكون خارجة عن هيئة عمائم أهل الذمة وغيرهم من أهل الأديان غير المسلمين وذلك بأن تكون محنّكة أي بعضها تحت الحنك لأن هذه صفة عمائم العرب وهي التي كانت من شعار المسلمين وقد سمَّى عمر التي لم تحنك بالفاسقية وله في المسح عليها شروط أُخر، وإذا لم تكن محنّكة فلا يجوز المسح عليها عنده إلا إذا كانت لها عذبة ففيها روايتان عنه: الجواز، وعدمه.
وقد نسب ابن المنذر الجواز أي جواز المسح إلى أبي بكر وعمر وأنس وأبي الدرداء وأبي أمامه وسعد بن مالك -﵃- كما نسب للطبري وابن خزيمة وعمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة ومكحول والأوزاعي وأبي ثور.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
والظاهر من كلام ابن عبد البر أنه يرى أن الأحاديث فيها كلها معلولة. وقال: قد أخرج البخاري في الصحيح عنده وذكر حديث عمرو بن أمية قال: وقد بيّنا إسناده وعلته في كتابنا "الأجوبة على المسائل المستغربة في البخاري".
قلت: والظاهر والله أعلم أن القول بالجواز لكن مع بعض الرأس هو الأقوى من حيث الدليل، وأما الذي أراه فهو الأخذ بالأحوط في مثل هذا. والله أعلم. وهو أن لا يفعل الإِنسان في وضوئه إلا ما اتفق عليه العلماء أو الأكثرون منهم أنه مجزّء.
١٠٥ - وَأَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَرْجَرَائِيُّ عَنْ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ بِلَالٍ قَالَ: رَأَيْتُ النبي - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
• [رجاله: ٨]
١ - الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي روى عن الوليد بن مسلم وطلق بن غنام وابن نمير وخليفة بن تميم وغيرهم وعنه أبو داود والنسائي وأحمد بن علي الآبار وابن ماجه وجعفر الفريابي وغيرهم ذكره ابن حبان في الثقات وقال: حدثنا عنه أهل واسط قال ابن حجر: قال أبو حاتم: مجهول فكأنه ما أخبر أمره، مات ٢٥٣ والله أعلم.
٢ - طلق بن غنام بن طلق بن معاوية النخعي أبو محمَّد الكوفي روى عن أبيه وشبيان بن عبد الرحمن وقيس بن الربيع ومالك بن مغول وابن عمه حفص بن غياث وغيرهم وعنه البخاري وروى له الأربعة بواسطة عثمان بن أبي شيبة وأحمد بن إبراهيم الدورقي وأبو كريب وآخرون ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا ووثقه العجلي وابن نمير والدارقطني وعثمان بن أبي شيبة وقال: صدوق لم يكن بالمتبحّر في العلم، وقال ابن حزم وحده: ضعيف.
قلت: ولا اعتبار بمثل هذا كما لا يخفى والله أعلم.
٣ - زائدة بن قدامة: تقدّم ٩١.
٤ - حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن مالك بن الحارث بن ثعلبة
[ ٢ / ٣٨٠ ]
النخعي الكوفي قاضيها أبو عمرو قاضي قضاة بغداد أيضًا روى عن جده إسماعيل بن أبي خالد وسليمان التيمي وعاصم الأحول وغيرهم وعنه أحمد وإسحاق وعلي وابنا أبي شيبة وابن معين وأبو داود الحفري وأبو نعيم وأبو خيثمة وجماعة منهم يحيى القطان وهو من أقرانه وثقة ابن معين والعجلي وقال: مأمون فقيه كان وكيع ربما سئل عن شيء فقال اذهبوا إلى قاضينا فاسألوه وعن ابن المديني سمعت يحيى بن سعيد يقول: أوثق أصحابنا حفص بن غياث، قال يعقوب: ثقة ثبت ووثقه النسائي وابن خراش وبالجملة كان من جلّة أهل الحديث وثناء الناس عليه كثير. مولده سنة ١١٧، ومات سنة ١٩٤ أو ١٩٥ أو ١٩٦ والله أعلم.
٥ - الأعمش سليمان بن مهران: تقدّم ١٨.
٦ - الحكم بن عتيبة: تقدّم ١٠٤.
٧ - عبد الرحمن بن أبي ليلى: تقدّم ١٠٤.
٨ - البراء بن عازب بن الحارث بن مجدّعة بن حارثة الأوسي أبو عمارة ويقال أبو عمرو ويقال أبو طفيل المدني الصحابي نزل الكوفة ومات بها زمن مصعب بن الزبير، روى عن النبي - ﷺ - وعن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي أيوب وبلال وغيرهم، وعنه عبد الله بن يزيد الخطمي وأبو حجيفة ولهما صحبة وأبناء البراء عبيد ولوط والربيع وزيد وابن أبي ليلى وعدي بن ثابت وآخرون قيل إنه غزا مع النبي - ﷺ - ١٥ غزوة. وأول غزوة شهدها أحد، وقيل الخندق وهو الصواب لأنه استصغر يوم أحد هو وابن عمر، وشهد الجمل مع علي وصفين والنهروان وفتح الري في زمن عمر ومات سنة ٧٢ هـ والله أعلم.
٨ - بلال بن رباح: تقدّم ١٠٤.
هذه إحدى روايات بلال لهذا الحديث وهي مختصرة لم يذكر فيها مسح العمامة.
١٠٦ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ بِلَالٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ وَالْخُفَّيْنِ.
[ ٢ / ٣٨١ ]
• [رواته: ٦]
١ - هناد بن السري: تقدّم ٢٥.
٢ - وكيع بن الجراح: تقدّم ٢٥.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدّم ٢٦.
٤ - الحكم بن عتيبة: تقدّم ١٠٤.
٥ - عبد الرحمن بن أبي ليلى: تقدّم ١٠٤.
٦ - بلال بن رباح - ﵁ -: تقدّم ١٠٤.
هذه الرواية ظاهرها أن ابن أبي ليلى سمع الحديث من بلال وعندي في سماعه منه شك لأنه إن ثبت أن بلالًا مات في طاعون عمواس وهو إما سنة ١٧ أو سنة ١٨ فلا يصح أنه سمع منه لأن مولد ابن أبي ليلى قبل مقتل عمر بست سنين فيكون ولد عند موت بلال لأن عمر قتل سنة ثلاث وعشرين وأما إن صح أن بلالًا مات سنة ٥٢، فمحتمل سماعه منه والله أعلم، وإن كان بلال شاميًا وابن أبي ليلى عراقيًا وقد تقدّم ما يتعلّق بهذا الحديث غير الكلام على مسح الخفّين وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى وسبق الكلام على شرح هذا الحديث في روايته الأولى ١٠٤.
قال النووي -﵀- في حديث الحكم هذا عند مسلم: هذا مما تكلّم فيه الدارقطني في العلل، ثم ذكر الخلاف في طريقه والخلاف عن الأعمش فيه وأن بلالًا سقط عند بعض الرواة واقتصر على كعب بن عجرة وبعضهم عكس فأسقط كعبًا واقتصر على بلال وبعضهم زاد البراء بين بلال وابن أبي ليلى وأكثر من رواه رواه كما هو في مسلم ورواه بعضهم عن علي بن أبي طالب عن بلال اهـ.