/ ٣٣ - فيه: عَائِشَةَ أَنَّ الرَّسُولِ (ﷺ) دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: تمت مَنْ هَذِهِ؟ - قَالَتْ: فُلانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا، قَالَ: تمت مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ -. قال المؤلف: قول عائشة: تمت وكان أحب الدين إلى الله ما دام - هو معنى الباب؛ لأنها سَمَّت الأعمال دينًا بخلاف قول المرجئة.
[ ١ / ٩٩ ]
وقال المهلب وأبو الزناد: إنما قال ذلك (ﷺ)، والله أعلم، خشية الملال اللاحق بمن انقطع فى العبادة. وقد ذَمَّ الله من التزم فعل البرِّ ثم قطعه بقوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) [الحديد: ٢٧] . ألا ترى أن عبد الله بن عمرو لما ضعف عن العمل ندم على مراجعته رسول الله (ﷺ) فى التخفيف عنه، وقال: ليتنى قبلت رخصة رسول الله (ﷺ)، ولم يقطع العمل الذى كان التزمه. قال ابن قتيبة: وقوله: تمت فإن الله لا يمل حتى تملوا -، معناه لا يمل إذا مللتم. ومثال ذلك: قولهم فى الكلام: هذا الفرس لا يفتر حتى يفتر الخيل، لا يريد بذلك أنه يفتر إذا فترت الخيل، ولو كان هذا المراد ما كان له فضيلة عليها إذا فتر معها. ومثله: قولهم فى الرجل البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه، يعنى لا ينقطع إذا انقطع خصومه، ولا أراد أنه ينقطع إذا انقطعوا لم يكن له فضل على غيره ولا وجبت له به مدحة. قال الشاعر: صَليتْ مِنَّا هُذَيْلٌ بِحَرْبٍ لا نَمَلُّ الشَّرَّ حَتَّى تَمَلُّوا لم يرد أنهم يملون الشر إذا ملوا، ولو أراد ذلك ما كان لهم فيه مدح، لأنهم حينئذ يكونون فيه سواء كلهم، بل أراد أنهم لا يملون الشر، وإن مَلّه خصومهم.
[ ١ / ١٠٠ ]
وقال ابن فورك: معناه إن من شأنكم الملل، وليس هو صفات الله تعالى، لأن الملل صفة تقتضى تغيرًا وحلول الحوادث فى من حلت فيه، وهذا غير جائز فى صفة الله تعالى. وذكر الخطابى فيه وجهًا آخر، وهو أن يكون معناه أن الله لا يسأم الثواب ما لم تسأموا العمل، أى لا يترك الثواب ما لم تتركوا العمل. وقوله: تمت مَهْ - زجرٌ وكَفْ.