/ ٢٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ أَن نبِىّ اللَّه (ﷺ) قَالَ: تمت آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ -. / ٢٦ - وفيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ (ﷺ)، قَالَ: تمت أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ -. تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأعْمَشِ. معنى هذا الباب كالأبواب المتقدمة قبله: أن تمام الإيمان بالأعمال، وأنه يدخل على المؤمن النقص فى إيمانه بالكذب، وخلف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور فى الخصام، كما يزيد إيمانه بأفعال البر.
[ ١ / ٩٠ ]
قال أبو الزناد: ولم يُرد النبى (ﷺ) بالنفاق المذكور فى هذين الحديثين النفاق الذى صاحبه فى الدرك الأسفل من النار، الذى هو أشد الكفر، وإنما أراد أنها خصال تشبه معنى النفاق، لأن النفاق فى اللغة أن يظهر المرء خلاف ما يبطن، وهذا المعنى موجود فى الكذب، وخلف الوعد، والخيانة. فإن قيل: قد قال (ﷺ) فى حديث عبد الله بن عمرو: تمت كان منافقًا خالصًا -. قيل: معناه خالصًا فى هذه الخلال المذكورة فى الحديث فقط، لا فى غيرها، لقوله ﷿: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء) [النساء: ٤٨] . وقد ثبت عن الرسول أنه يخرج مِن النار مَن فى قلبه مثقال حَبَّة من خردل من إيمان. قال المهلب: والمراد بالحديث، والله أعلم، من يكون الكذب غالبًا على كلامه، ومستوليًا على حديثه، والخيانة على أمانته، والخلف على مواعيده، فإذا كان هذا شأنه قويت العلامة والدلالة. وأمّا من كان الكذب على حديثه نادرًا فى خبره تافهًا، والخيانة فى أمانته شاذة يدعى العذر فيها، والخلف فى أوعاده، مثل ذلك معتذر بآفات منعته من الإنجاز فلا يقضى عليه بالنادر اليسير، إذ لا يمكن أن يسلم أحدٌ من كذب. وقد سُئل مالك بن أنس، عمن جُرب عليه كذب، قال: أى نوع من الكذب، لعله إذا حدَّث، عن غضادة عيش سلف زاد فى وصفه
[ ١ / ٩١ ]
وأفرط فى ذكره، أو أخبر عَمَّا رآه فى سفره، أعيا فى خبره وأسرف، فهذا لا يضره، وإنما يضر من حدَّث عن الأشياء بخلاف ما هى عليه عامدًا للكذب. وكذلك الخلف فى الوعد، والخيانة فى الأمانة إذا كانت شاذة يدعى فيها العُذر. وذلك مغتفر له غير محكوم عليه فى انفاق أو سوء معتقد، وقد جُرَّب على من سلف من الأئمة بعض ذلك، فلم يضرهم، لأنه كان نادرًا. هذا وجه الحديث إن شاء الله. ويشهد لذلك ما حدثنا به أحمد بن محمد بن عفيف، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان، قال: حدثنا محمد بن عمر بن لبابة، حدثنا عثمان بن أيوب، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد، عن أبيه، قال: بلغنى أن رجلًا من أهل البصرة قدم مكة حاجًا، فجلس فى مجلس عطاء بن أبى رباح، فقال الرجل: سمعت الحسن يقول: من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرج أن أقول فيه إنه منافق: من إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، فقال له عطاء: أنت سمعت هذا من الحسن؟ قال: نعم، قال: إذا رجعت إلى الحسن، فقل له: إن عطاء بن أبى رباح يقرأ عليك السلام، ويقول لك: ما تقول فى بنى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، خليل الله، إذ حدثوا فكذبوا، ووعدوا فاخلفوا، وأؤتمنوا فخانوا، فكانوا منافقين؟ .
[ ١ / ٩٢ ]
واعلم أنه لن يعدوا أهل الإسلام أن تكون منهم الخيانة والخلف، ونحن نرجو أن يعيذهم الله من النفاق، وما استقر اسم النفاق قط إلا فى قلب جاحد، وكذلك يقول الله: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ (إلى: (يَفْقَهُون) [المنافقون: ١ - ٣] . ألا ترى أن الإيمان زال عن قلوبهم، ونحن نرجو أن لا يكون عن قلوب المؤمنين زائلًا، وإن كان فيهم ما سميتهم به، فَسُرَّ بذلك الحسن، وقال: جزاك الله خيرًا، ثم أقبل على أصحابه فقال لهم: ما لكم لا تصنعون ما صنع أخوكم هذا، إذ سمعتم منى حديثًا حدثتم به العلماء، فما كان منه صوابًا فحسن، وإن كان غير ذلك ردوا عَلَىَّ صوابه. وقد روى عن الرسول أن الحديث فى المنافقين، حدثنا أحمد بن محمد بن عفيف، حدثنا عبد الله بن عثمان، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا عبيد بن محمد الكشورى، حدثنا أسوار بن محمد الصنعانى، حدثنا المعتمر بن أبى المعتمر الجزرى، عن مقاتل بن حيان، أنه سأل سعيد ابن جبير عن قوله، (ﷺ): تمت ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، ومن كانت فيه خصلة واحدة ففيه ثلث النفاق حتى يدعها -. قال مقاتل: وهذه مسألة قد أفسدت علىّ معيشتى، لأنى أظن أنى لا أسلم من هذه الثلاث، أو من بعضهن، ولن يسلم منهن كثير من
[ ١ / ٩٣ ]
الناس، فضحك سعيد بن جبير، ثم قال: أَهَمَّنِى من هذا الحديث مثل الذى أهمك، فأتيت ابن عمر وابن عباس فقصصت عليهما فضحكا، وقالا: أهمنا والله يا ابن أخى من هذا الحديث مثل الذى أهمك، فأتينا النبى، (ﷺ)، فسألناه عنه فضحك (ﷺ)، وقال: تمت ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين. أما قولى: إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله عَلىَّ: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (، [المنافقون: ١] لا يستيقنون نبوتك فى قلوبهم، فأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: لا عليكم، أنتم من ذلك برآء. أما قولى: إذا وعد أخلف، فذلك فيما أنزل الله علىَّ: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ (، إلى: (يَكْذِبُونَ) [التوبة: ٧٥ - ٧٧]، أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: فلا عليكم، أنتم من ذلك برآء. أما قولى: إذا اؤتمن خان، فذلك فيما أنزل الله عَلىَّ: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ (إلى: (جَهُولًا) [الأحزاب: ٧٢]، فكل مؤتمن على دينه، فالمؤمن يغتسل من الجنابة فى السر والعلانية، ويصوم ويصلى فى السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذلك إلا فى العلانية، أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: لا عليكم، أنتم من ذلك برآء -.