وَقَوْلِ اللَّهِ: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: ٦] . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَبَيَّنَ الرسول (ﷺ) أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلاثًا وَثَلاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الإسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِىِّ (ﷺ) . قال المؤلف: قال الطحاوى وغيره: اختلف أهل العلم فى القيام المذكور فى هذه الآية، فقال بعضهم: كل قائم إلى صلاة مكتوبة فقد وجب عليه الوضوء قبل قيامه إليها، قالوا: وهذا كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل: ٩٨]، أى إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله. ورووا ذلك عن على بن أبى طالب منقطعًا. وروى شعبة، عن مسعود بن على، أن على بن أبى طالب، كان يتوضأ لكل صلاة ويتلو: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ) [المائدة: ٦] الآية. وممن كان يتوضأ لكل صلاة وإن كان طاهرًا: ابن عمر، وعبيد بن عمير، وعكرمة، وابن سيرين.
[ ١ / ٢١٤ ]
وقال جمهور أهل العلم: ليس على من أراد القيام إلى صلاة مكتوبةٍ أن يتوضأ، إلا أن يكون محدثًا فيتوضأ لحدثه، لأنه إذا كان متوضئًا للصلاة فلا معنى لتوضئه وضوءًا لا يخرجه من حدث إلى طهارة. وممن روى عنه الجمع بين صلوات بوضوء واحد: سعد بن أبى وقاص، وأبو موسى الأشعرى، وأنس بن مالك، وابن عباس. إلا أن بعض قائلى هذه المقالة قالوا: إن الوضوء لكل صلاة نسخ بما رواه الثورى عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: صلى رسول الله (ﷺ) يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: تمت عمدًا صنعته يا عمر -. وبما روى ابن وهب، عن ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن امرأة من الأنصار دعت رسول الله (ﷺ) إلى شاة مصلية، ومعه أصحابه، فصلى الظهر والعصر بوضوء واحد. وقال أكثر أهل هذه المقالة: إن جَمْع الرسول (ﷺ) الصلوات بوضوء واحد يوم الفتح، وعند المرأة التى دعته للشاة المصلية، لم يكن ناسخًا لما تقدم من وضوئه (ﷺ) لكل صلاة، وإنما بيَّن بفعله يوم الفتح أن وضوءه لكل صلاة كان من باب الفضل والازدياد فى الأجر، فمن اقتدى به فى ذلك فله فيه الأسوة الحسنة.
[ ١ / ٢١٥ ]
قالوا: ومما يدل على صحة ذلك ما رواه ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زياد، عن أبى عطية الهذلى، قال: صليت مع ابن عمر الظهر والعصر والمغرب، فتوضأ لكل صلاة، فقلت له: ما هذا؟ فقال: ليست بسنةٍ ولكنى سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: تمت من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات -. فبان بما ثبت عنه (ﷺ) من سنته أن الوضوء لا يجب إلى القيام للصلوات إلا عن الأحداث الموجبة للطهارة، وهذا قول مالك، والثورى، وأبى حنيفة، وأصحابه، والأوزاعى، والشافعى، وعامة فقهاء الأمصار، ومن بعدهم إلى وقتنا هذا. وقوله: تمت وبين رسول الله (ﷺ) أن فرض الوضوء مرةً مرةً -، وذلك أنه صلى به فَعُلِمَ أنه الفرض، إذ لا ينقص (ﷺ) من فرضه، وهو المُبَيِّن عن الله لأمته دينهم. ووضوءه (ﷺ) مرتين وثلاثًا هو من باب الرفق بأمته والتوسعة عليهم ليكون لمن قصر فى المرة الواحدة عن عموم غسل أعضاء الوضوء أن يستدرك ذلك فى المرة الثانية والثالثة، ومن أكمل أعضاءه فى المرة الواحدة فهو مخير فى الاقتصار عليها أو الزيادة على المرة الواحدة. وكان تنويع وضوئه (ﷺ) من باب التخيير، كما ورد التخيير فى كفارات الأَيْمَان بالله، وعقوبة المحاربين. وقال أبو الحسن بن القصار: نسق الأعضاء فى الآية بالواو بعضها على بعض دليل أن الرتبة غير واجبة فى الوضوء، لأن حقيقة الواو فى لسان العرب الجمع والاشتراك دون التعقيب، والتقديم، والتأخير، هذا قول سيبويه.
[ ١ / ٢١٦ ]
واختلف العلماء فى ذلك. فروى عن على، وابن مسعود، وابن عباس، أنهم قالوا: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك فى الوضوء، وهذا قول عطاء، وسعيد بن المسيب، والنخعى، وإليه ذهب مالك، والليث، والثورى، وسائر الكوفيين، والأوزاعى، والمزنى. وقال الشافعى، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور: لا يجزئه الوضوء غير مرتب حتى يغسل كلا فى موضعه، واحتجوا بأن الواو قد تكون للترتيب كقوله تعالى: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) [الحج: ٧٧]، وقوله: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ) [البقرة: ٥٨]، وقوله (ﷺ): تمت نبدأ بما بدأ الله به -. فأجابهم أهل المقالة الأولى فقالوا: إنا لا ننكر إذا صحب الواو بيان يدل على التقدمة أنها تصير إليه بدلالته، وإلا فالظاهر أن موضعها للجمع، ولو كانت الواو توجب رتبة لما احتاج (ﷺ) إلى تبيين الابتداء بالصفا، وإنما بيَّن ذلك إعلامًا لمراد الله من الواو فى ذلك الموضع، وليس وضوءه (ﷺ) على نسق الآية أبدًا بيانًا لمراد الله من آية الوضوء كبيانه لركعات الصلوات، لأن آية الوضوء بينة مستغنية عن البيان، والصلوات مختلفة مفتقرة إليه، ومما جاء فى القرآن مما لا توجب الواو فيه النسق قوله تعالى: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) [البقرة: ١٩٦]، فبدأ بالحج قبل العمرة، وجائز عند الجميع أن يعتمر الرجل قبل الحج، وكذلك قوله: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) [البقرة: ١١٠] جائز لمن وجب عليه إخراج زكاة فى حين صلاة أن يبدأ بالزكاة، ثم يصلى الصلاة فى وقتها عند الجميع، وكذلك قوله
[ ١ / ٢١٧ ]
فى قتل الخطأ: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) [النساء: ٩٢] لا يختلف العلماء أن من وجب عليه إعطاء الدية، وتحرير الرقبة أن يعطى الدية قبل تحرير الرقبة، ومثله كثير فى القرآن وكلام العرب، لو قال: أعط زيدًا وعمرًا دينارًا تبادر الفهم من ذلك: الجمع بينهما فى العطاء، ولم يفهم منه تقديم أحدهما على الآخر فى العطاء.