/ ١١ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلا بَيْتَ الْمَقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، بِحَاجَتِهِ، وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ؟ فَقُلْتُ: لا أَدْرِى وَاللَّهِ. قال المؤلف: أما قول ابن عمر: تمت إن ناسًا يقولون: إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل القبلة، ولا بيت المقدس -، فرواه سعيد بن أبى مريم، قال: ثنا دواد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمرو ابن يحيى المازنى، قال: ثنا أبو زيد مولى بنى ثعلبة، عن معقل بن أبى معقل الأسدى، أن رسول الله (ﷺ) نهى أن تستقبل القبلتان بغائط، أو بول. ولم يقل بهذا الحديث أحد من الفقهاء إلا النخعى، وابن سيرين، ومجاهد، فإنهم كرهوا أن يستقبل أحدٌ القبلتين أو يستدبرهما بغائط، أو بول، الكعبة وبيت المقدس. وهؤلاء غاب عنهم حديث ابن عمر، وهو يدل على أن النهى إنما أريد به الصحارى لا البيوت، ولم يرو أحد عن النبى (ﷺ) أنه فعل ذلك فى الصحارى، وإنما روى أنه فعله فى البيوت. وقال أحمد بن حنبل: حديث ابن عمر ناسخ للنهى عن استقبال بيت المقدس، واستدباره بالغائط والبول، والدليل على هذا ما روى مروان الأصفر، عن ابن عمر، أنه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس، ثم
[ ١ / ٢٣٧ ]
جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهى عن هذا؟ قال: إنما نهى عن هذا فى الفضاء، وأما إذا كان بينك وبين القبلة شىء يسترك فلا بأس. وروى وكيع، وعبيد الله بن موسى، عن عيسى بن أبى عيسى الحناط، قال: قلت للشعبى: إن أبا هريرة يقول: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. وقال ابن عمر: كانت منى التفاتة فرأيت النبى، (ﷺ)، فى كنيفه مستقبل القبلة. فقال الشعبى: صدق ابن عمر، وصدق أبو هريرة، قول أبى هريرة فى البَرِّية، وقول ابن عمر فى الكنيف، وأما كنفكم هذه فلا قبلة لها. ودلت هذه الآثار على أن حديث أبى أيوب مخصص بحديث ابن عمر لا منسوخ به، وسيأتى اختلاف العلماء فى هذه الأحاديث فى أبواب القبلة فى كتاب الصلاة عند ذكر حديث أبى أيوب، إن شاء الله. وأما قوله: تمت إن ناسًا يقولون كذا -، ففيه دليل على أن الصحابة كانوا يختلفون فى معانى السنن، وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع على عمومه، فمن هاهنا وقع بينهم الاختلاف. وقال ابن القصار: إن قيل: كيف جاز لابن عمر أن ينظر إلى مقعد النبى (ﷺ)؟ فالجواب: أنه يجوز أن تكون كانت منه التفاتة فرآه، ولم يكن قاصدًا لذلك، فنقل ما رأى، وقصد ذلك لا يجوز كما لا يتعمد الشهود النظر إلى الزنا، ثم قد يجوز أن تقع أبصارهم عليه، ويجوز أن يتحملوا الشهادة بعد ذلك، وقد يجوز أن يكون ابن عمر قصد لذلك ورأى رأسه دون ما عدا ذلك من بدنه، ثم تأمل قعوده، فعرف كيف هو جالس ليستفيد فعله فنقل ما شاهد
[ ١ / ٢٣٨ ]
وقوله: تمت لعلك من الذين يُصَلُّون على أوراكهم - يعنى الذى يسجد ولا يرتفع عن الأرض لاصقًا بها.