/ ١٣ - فيه: مُعَاوِيَةَ، سَمِعْتُ الرسول يَقُولُ: تمت مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِى، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ -. فيه فضل العلماء على سائر الناس. وفيه فضل الفقه فى الدين على سائر العلوم، وإنما ثبت فضله، لأنه يقود إلى خشية الله، والتزام طاعته، وتجنب معاصيه، قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨] وقال ابن عمر - للذى قال له: فقيه -: إنما الفقيه الزاهد فى الدنيا، الراغب فى الآخرة. ولمعرفة العلماء بما وعد الله به الطائعين، وأوعد العاصين، ولعظيم نعم الله على عباده اشتدت خشيتهم.
[ ١ / ١٥٤ ]
وقوله: تمت إنما أنا قاسم - يدل على أنه لم يستأثر من مال الله دونهم، وكذلك قوله: تمت مالى مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم -، وإنما قال: تمت إنما أنا قاسم -، تطييبًا لنفوسهم، لمفاضلته فى العطاء. وقوله: تمت والله يعطى -، أى والله يعطيكم ما أقسمه عليكم لا أنا، فمن قسمت له قليلًا فذلك بقدر الله له، ومن قسمت له كثيرًا بقدرٍ أيضًا، وبما سبق له فى أمِّ الكتاب، فلا يزاد أحدٌ فى رزقه، كما لا يزاد أحدٌ فى أجله. وقوله: تمت ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله -، يريد أن أمته آخر الأمم، وأن عليها تقوم الساعة، وإن ظهرت أشراطها، وضعف الدين، فلابد أن يبقى من أمته من يقوم به، والدليل على ذلك قوله: تمت لا يضرهم من خالفهم -، وفيه أن الإسلام لا يذل، وإن كثر مطالبوه. فإن قيل: فقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، عن أنس، عن الرسول (ﷺ) أنه قال: تمت لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحد الله الله -، وروى ابن مسعود، أن النبى (ﷺ)، قال: تمت لا تقوم الساعة إلا على
[ ١ / ١٥٥ ]
شرار الناس -، رواه شعبة، عن على بن الأقمر، عن أبى الأحوص، عن عبد الله، وهذه معارضة لحديث معاوية. قال الطبرى: ولا معارضة بينهما بحمد الله، بل يحقق بعضها بعضًا، وذلك أن هذه الأحاديث خرج لفظها على العموم، والمراد منها الخصوص، ومعناه لا تقوم الساعة على أحدٍ يُوحد الله إلا بموضع كذا، فإن به طائفة على الحق، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس بموضع كذا، لأن حديث معاوية ثابت، ولا يجوز أن تكون الطائفة القائمة بالحق التى توحد الله التى هى شرار الناس. فثبت أن الموصوفين بأنهم شرار الناس غير الموصوفين بأنهم على الحق مقيمون. وقد جاء ذلك بَيِّنًا فى حديث أبى أمامة الباهلى، وحديث عمران بن حصين، قال الطبرى: حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا ضمرة بن ربيعة، حدثنا يحيى بن أبى عمرو الشيبانى، عن عمرو بن عبد الله الحمصى، عن أبى أمامة الباهلى، أن النبى (ﷺ)، قال: تمت لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم -، قيل: فأين هى يا رسول الله؟ قال: تمت ببيت المقدس، أو أكناف بيت المقدس -. وروى قتادة عن مطرف بن الشخير، عن عمران بن حصين، عن الرسول (ﷺ)، قال: تمت لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال -. قال مطرف: وكانوا يرون أنهم أهل الشام.