[ ١ / ١٠٣ ]
/ ٣٦ - فيه: طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الرَسُول (ﷺ) مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ، وَلا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإسْلامِ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): تمت خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ -، فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: تمت لا، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ -، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): تمت وَصِيَامُ رَمَضَانَ -، قَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: تمت لا، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ -، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: تمت لا، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ -، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): تمت أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ -. قال المؤلف: هذا الحديث حجة أن الفرائض تُسمى إسلامًا، ودل قوله: تمت أفلح إن صدق - على أنه إن لم يصدق فى التزامها أنه ليس بمفلح، وهذا خلاف قول المرجئة. فإن قيل: إن هذا الحديث ليس فيه فرض النهى عن المحارم، وعن ركوب الكبائر، وليس فيه الأمر باتباع النبى (ﷺ) فيما سَنَّه لأمته، فكيف يفلح من لم ينته عما نهاه الله، ولم يتبع ما سَنَّه، (ﷺ)، وقد توعد الله على مخالفة نبيه (ﷺ)، بقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣] . فالجواب: أنه يحتمل أن يكون هذا الحديث فى أول الإسلام قبل ورود فرائض النهى. ويحتمل أن يكون قوله: تمت أفلح إن صدق - راجعًا إلى قوله: أنه لا ينقص منها شيئًا ولم يزد، أفلح إن صدق فى أن لا يزيد
[ ١ / ١٠٤ ]
عليها شيئًا من الفرائض والسنن، ولا فرض الحج لم يأت فى هذا الحديث من طريق صحيح، ولا يجوز أن يسقط فرض الحج عمن استطاع إليه سبيلًا، كما لا يجوز أن تسقط عنه فرائض النهى كلها، وهى غير مذكورة فى هذا الحديث، ولا يجوز ترك اتباع النبى (ﷺ) والاقتداء به فى سنته، لقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: ٧]، فبان بهذا أن قوله: تمت أفلح إن صدق - ليس على العموم. وفيه تأويل آخر: يحتمل أن يكون قوله: تمت والله لا أزيد على هذا ولا أنقص - على معنى التأكيد فى المحافظة على الوفاء بالفرائض المذكورة، من غير نقصان شىءٍ من حدودها، كما يقول العبد لمولاه إذا أمره بأمر مهم عنده: والله لا أزيد على ما أمرتنى به ولا أنقص، أى أفعله على حسب ما حددته لى، لا أخل بشىءٍ منه، ولا أزيد فيه من عند نفسى غير ما أمرتنى به، ويكون الكلام إخبارًا عن صدق الطاعة وصحيح الائتمار. ومن كان فى المحافظة على ما أُمِرَ به بهذه المنزلة، فإنه متى ورد عليه أمرٌ لله تعالى أو لرسوله فإنه يبادر إليه، ولا يتوقف عنه، فرضًا كان أو سُنَّةً. فلا تعلق فى هذا الحديث لمن احتج أن تارك السُّنن غير حَرِجٍ ولا آثمٍ، لتوعد الله تعالى على مخالفة أمر نبيه. وبهذا التأويل تتفق معانى الآثار والكتاب، ولا يتضاد شىء من ذلك.
[ ١ / ١٠٥ ]
وهذا الرجل النجدى، هو ضمام بن ثعلبة، من بنى سعد بن بكر. وليس فى رواية مالك وإسماعيل بن جعفر فى هذا الحديث ذكر الحج، وقد رواه ابن إسحاق عن محمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب، عن ابن عباس، ذكر فيه الحج. وحديث من لم يذكره أصح. وقد احتج برواية ابن إسحاق من قال: إن فرض الحج على الفور. وقالوا: إنه وفد على الرسول سنة تسع، هذا قول ابن هشام فى السير عن أبى عبيدة، وهو قول الطبرى. وقالت طائفة: إن فرض الحج على التراخى. وقالوا: إن قدوم ضمامٍ فى هذا الحديث على النبى (ﷺ) كان فى سنة خمس، هذا قول الواقدى، وسيأتى اختلاف أهل العلم فى ذلك، فى كتاب الحج، إن شاء الله. ومن حُجَّة الذين قالوا بالتراخى، قالوا: لو صح أن فرض الحج نزل سنة تسع لم يكن فيه حجة لم قال بالفور، إلا أن يدعى أن نزوله كان فى آخر العام وقت الحج، حيث لا يمكن النبى (ﷺ) أداءه تلك السنة، ولا سبيل إلى إثبات ذلك. فإن قيل: فلعل قوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) [النور: ٦٣] أنزلت بعد حديث ضمام. قيل له: سواء نزلت قبله أو بعده لا يسوغ لأحدٍ مخالفة أمر الرسول، فلا تعلق لأحدٍ فى قوله: تمت أفلح إن صدق -.
[ ١ / ١٠٦ ]
وقد قال مالك فى هذه الآية: نزلت يوم الخندق،) وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) [النور: ٦٢]، وقال: إن الخندق كان سنة أربع. قال المؤلف: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) [النور: ٦٣] نزلت قبل حديث ضمام على كلا القولين ممن قال: إن فرض الحج نزل سنة تسعٍ أو سنة خمس. وقوله (ﷺ): تمت إلا أن يطوع - ندبٌ إلى التطوع. وقوله: تمت أفلح إن صدق -، أى فاز بالبقاء الدائم فى الخير والنعيم الذى لا يبيد. والفلاح فى اللغة: البقاء، وهو معنى قول المؤذن: حى على الفلاح، أى هلموا إلى العمل المؤدى إلى البقاء.