وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِىُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِى عَلَى عَمَلِى إِلا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ رسُول اللَّه (ﷺ) كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَذكَرُ عَنِ الْحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلا مُؤْمِنٌ، وَلا أَمِنَهُ إِلا مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقوله تَعَالَى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: ١٣٥] . / ٣٨ - حَدَّثَنَا زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ الْمُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُاللَّهِ أَنَّ النَّبِىَّ، (ﷺ)، قَالَ: تمت سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ -. / ٣٩ - وَعَنْ عُبَادَة، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ
[ ١ / ١٠٨ ]
مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: تمت إِنِّى خَرَجْتُ لأخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ، خَيْرًا لَكُمُ. . . -، وذكر الحديث. معنى قول إبراهيم: ما عرضت قولى على عملى إلا خشيت أن أكون مكذبًا، فإنما قال ذلك، والله أعلم، لأن الله تعالى ذَمَّ من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقَصرَّ فى عمله، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ) [الصف: ٢، ٣] فخشى أن يكون مكذبًا، إذْ لم تمنيه الغاية من العمل، وأشفق من تقصيره. وهكذا ينبغى أن تغلب الخشية على المؤمن، ألا ترى قول الحسن: ما خافه إلا مؤمن وما أمنه إلا منافق. وقول ابن أبى مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب الرسول (ﷺ) كلهم يخاف النفاق على نفسه، وإنما هذا، والله أعلم، لأنها طالت أعمارهم حتى رأوا من التغيير ما لم يعهدوه، ولم يقدروا على إنكاره، فخشوا على أنفسهم أن يكونوا فى حيز من داهن ونافق. وقوله: ما منهم أحدٌ يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل، هذا مذهب أهل السُّنة. ذكر الطبرى بإسناده عن أيوب السختيانى، عن ابن أبى مليكة، عن عائشة، قالت: ما كان رسول الله يبوح بهذا الكلام، يقول: تمت إيمانى كإيمان جبريل وميكائيل -. قال سعيد بن عبد العزيز: هو إذا أقدم على هذه المقالة أقرب أن يكون إيمانه كإيمان إبليس، لأنه أقرَّ بالربوبية وكفر بالعمل.
[ ١ / ١٠٩ ]
وقال الفضيل بن عياض: يا سفيه ما أجهلك، لا ترضى أن تقول: أنا مؤمن حتى تقول: أنا مستكمل الإيمان، لا والله، لا يستكمل العبد الإيمان حتى يؤدى ما افترض الله عليه، ويجتنب ما حرم الله عليه، ويرضى بما قسم الله له، ثم يخاف مع ذلك ألا يتقبل منه. وذكر إسماعيل بن إسحاق بإسناده عن عائشة، أنها قالت: سألت رسول الله (ﷺ) عن قوله: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون: ٦٠] قال: تمت هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ومفرقون أن لا يتقبل منهم -. قال بعض السلف فى قوله تعالى: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر: ٤٧] قال: أعمال كانوا يحسبونها حسنات بدت لهم سيئات، وإنما لحقهم ذلك لعدم المراعاة وقلة الإخلاص، أو لتعديهم السُّنَّة وركوبهم بالتأويل وجوه الفتنة. وغرض البخارى فى هذا الباب رد قول المرجئة: أن الله لا يعذب على شىء من المعاصى من قال: لا إله إلا الله، ولا يحبط عمله بشىءٍ من الذنوب، فأدخل فى صدر الباب هذا أقوال أئمة التابعين، وما نقلوه عن الصحابة أنهم مع اجتهادهم وفضلهم يستقلون أعمالهم، ويخافون ألا ينجون من عذاب ربهم. وبمثل هذا المعنى نزع أبو وائل، حين سُئل عن المرجئة، فقال: حدثنى عبد الله بن مسعود، أن النبى (ﷺ)، قال: تمت سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر -، إنكارًا لقول المرجئة، فإنهم لا
[ ١ / ١١٠ ]
يجعلون سباب المسلم فسوقًا، ولا قتاله كفرًا، ولا يُفسقون مرتكبى الذنوب، وقولهم مخالف لقول النبى، وليس يريد بقوله: تمت وقتاله كفرٌ - الكفر الذى هو الجحد لله ولرسله، وإنما يريد كفر حق المسلم على المسلم، لأن الله قد جعل المؤمنين إخوةً، وأمر بالإصلاح بينهم ونصرتهم، ونهاهم برسوله، (ﷺ)، عن التقاطع، وقال: تمت المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضًا -، فنهى عن مقاتلة بعضهم بعضًا، وأخبر أن من فعل ذلك، فقد كفر حق أخيه المسلم. وقد ترجم لهذا الحديث فى كتاب الفتن، باب قول الرسول: تمت لا ترجعوا بعدى كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض -. وقد يحتمل قوله (ﷺ): تمت وقتاله كفرٌ -، أن تكون المقاتلة بمعنى المشاركة والتناول له باليد والتطاول عليه، كما قال فى المار بين يدى المصلى: تمت فليدرأه، فإن أَبَى فليقاتله -، ولم يرد (ﷺ) قطع الصلاة، واستباحة دَمِّه، وإنما أراد دفعه بالشدة والقوة. على هذا يدل مساق الكلام لذكره معه السباب، والعرب تُسمى المشاركة مقاتلة. والدليل على صحة قولنا: إجماع أهل السُّنَّة أن قتل المسلم للمسلم لا يخرجه من الإيمان إلى الكفر، وإنما فيه القود. فينبغى للمؤمن ترك السباب والمشاركة والملاحاة، ألا ترى عظيم ما حَرَم الله عباده من بركة علم ليلة القدر من أجل تلاحى
[ ١ / ١١١ ]
الرجلين بحضرة النبى، فكان ذلك عقوبة للمتلاحين ولمن يأتى بعدهم إلى يوم القيامة، لأنهم جمعوا مع التلاحى ترك أمر الله، لتوقير الرسول وتعزيزه، لقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ) [الحجرات: ٢]، ولكن قوله (ﷺ): تمت وعسى أن يكون خيرًا - بعض التأنس لهم. وقال أبو الزناد: إنما يحبط عمل المؤمن وهو لا يشعر، إذا عد الذنب يسيرًا فاحتقره وكان عند الله عظيمًا، وليس الحبط هاهنا بمخرج من الإيمان، وإنما هو نقصان منه، ولا قوله: (أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ (يوجب أن يكفر المؤمن وهو لا يعلم، لأنه كما لا يكون الكافر مؤمنًا إلا باختيار الإيمان على الكفر، والقصد إليه، فكذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد إلى الكفر ولا يختاره، رحمة من الله لعباده، والدليل على صحة هذا قوله: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) [التوبة: ١١٥] . فإن قيل: فما أنت قائل فى حديث أبى بكر الصديق، وأبى موسى أن النبى، (ﷺ)، قال: تمت الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل على الصفا -. وهذا يدل على أنه قد يخرج من الإيمان إلى الكفر من حيث لا يعلم، بخلاف ما قلت. قيل له: ليس كما ذكرت، وليس هذا الحديث بمخالف لما شرحناه، بل هو مبيِّن له وموضح لمعناه، وذلك أنه قد ثبت عن
[ ١ / ١١٢ ]
الرسول، (ﷺ)، أنه قال: تمت اتقوا الرياء، فإنه الشرك الأصغر -. والرياء ينقسم قسمين: فإن كان الرياء فى عقد الإيمان فهو كفر ونفاق، وصاحبه فى الدرك الأسفل من النار، فلا يصح أن يخاطب بهذا الحديث. وإن كان الرياء لمن سلم له عقد الإيمان من الشرك، ولحقه شىء من الرياء فى بعض أعماله، فليس ذلك بمخرج من الإيمان إلا أنه مذموم فاعله، لأنه أشرك فى بعض أعماله حَمْدَ المخلوقين مع حَمْدِ ربه، فَحُرم ثواب عمله ذلك. يدل على هذا حديث أبى سعيد الخدرى، قال: تمت خرج علينا رسول الله ونحن نتحدث عن الدَّجال، فقال: إن أخوف عندى من ذلك الشرك الخفى، أن يعمل الرجل لمكان الرجل، فإذا دَعَا الله بالأعمال يوم القيامة، قال: هذا لى، فما كان لى قبلته، وما لم يكن لى تركته -، رواه الطبرى. فلا محالة أن هذا الضرب من الرياء، لا يوجب الكفر، وهذا المعنى فى الحديث. قال (ﷺ): تمت الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل -، ثم قال: تمت يا أبا بكر، ألا أدلك على ما يُذهب صغير ذلك وكبيره، قل: اللهم إنى أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم -. وفى بعض الطرق يقول ذلك ثلاث مرات. فبان بهذا الحديث أن من كان هذا القدر من الرياء فيه خفيًا كخفاء دبيب النمل على الصفا، أن عقد الإيمان ثابت له، ولا يخرج بذلك
[ ١ / ١١٣ ]
الخاطر الفاسد من الرياء، الذى زين له الشيطان فيه محمدة المخلوقين إلى الشرك، ولذلك عَلَّم النبى، (ﷺ)، أمته مداواة ذلك الخاطر بالاستعاذة، مما يذهب صغير ذلك وكبيره، وليست هذه حالة المنافقين ولا صفات الكافرين، وليس هذا بمخالف لما بيَّنا، والله أعلم.