فَدَخَلَ فِيهِ الإيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالأحْكَامُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) [الإسراء: ٨٤] عَلَى نِيَّتِهِ، وَقَد قَالَ (ﷺ): تمت وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ -. / ٤٤ - فيه: عُمَرَ، قَالَ (ﷺ): تمت الأعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى،
[ ١ / ١١٩ ]
فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ -. / ٤٥ - وفيه: ابن مَسْعُود، قَالَ (ﷺ): تمت إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا، فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ -. / ٤٦ - وفيه: سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، قَالَ (ﷺ): تمت إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِى فَمِ امْرَأَتِكَ -. قال المؤلف: غرضه فى هذا الباب أيضًا الرد على من زعم من المرجئة أن الإيمان قول باللسان دون عقد بالقلب؛ ألا ترى أنه (ﷺ) لم يقتصر على قوله: تمت الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى -، وإن كان ذلك كافيًا فى البيان عن أن كل ما لم تصحبه نية من الأعمال فهو ساقط غير معتد به، حتى أكد ذلك ببيان آخر فقال: تمت من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه -. ومثله حديث ابن مسعود: تمت إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها فهو له صدقة -. وحديث سعد: تمت إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أُجرت عليها -، ألا ترى أنه جعل الأجر فى هذين الحديثين المنفق على أهله بشرط احتساب النفقة عليهن، وإرادة وجه الله بذلك. وبهذا المعنى نطق التنزيل، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة: ٥] الآية.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقال الطبرى: فى قوله (ﷺ): تمت الأعمال بالنيات - فيه من الفقه تصحيح قول من قال: كل عامل عملًا، فإنه بين العامل وبين ربه على ما صرفه إليه بنيته ونواه بقلبه، لا على ما يبدو لعين من يراه، وبيان فساد قول من قال: إذا غسل الغاسل أعضاء الوضوء وهو ينوى تعليم جاهل، أو تبرُّدًا من حَمٍّ أصابه، أو تطهيرها من نجاسة، لا يقصد بغسلها أداء فرض الصلاة عليه، أنه مؤدٍ بذلك فرض الله الذى لزمه. وأن من صام رمضان بنية قضاء نذرٍ عليه، أو نية تطوع، أنه يجزيه عن فرض شهر رمضان. وكذلك من حج عمن لم يحج قبل عن نفسه، فنوى الحج عن غيره أن يجزئه عن فرض الحج عن نفسه، إذ كان (ﷺ) جعل عمل كل عامل مصروفًا إلى ما صرفه إليه بنيته، وأراده بقلبه فيما بين وبين ربه. فإن كانت هجرته هجرة رغبة فى الإسلام وبراءة من الكفر، فهجرته هنالك لله ورسوله، وإن كانت هجرته طلب دنيا، فليست بالهجرة التى أمر الله عباده. فكذلك الصائم شهر رمضان بنية التطوع، أو قضاء النذر، وغاسل أعضاء الوضوء، والمحرم بالحج عن غيره، كل واحدٍ منهم غير فاعل ما عليه من فرض الله، لأن عمله لِمَا نواه دون ما لم ينوه. وقال غير الطبرى: وقد زعم بعض الفقهاء أن النية غير مفتقر إليها فى بعض الأعمال، كقول زُفَر: إن صيام شهر رمضان لا يحتاج إلى نية، وغيره من الصيام يفتقر إلى نية إلا أن يكون الذى يدركه رمضان مسافرًا أو مريضًا، فإنه لا يصحُ إلا بالنية.
[ ١ / ١٢١ ]
فأمَّا الصحيح المقيم فلا يفتقر إلى نية، وهو قول عطاء ومجاهد، واحتجوا أن النية إنما احتيج إليها، لتمييز الفرض عن النفل، وزمن رمضان لا يصح فيه النفل، فلا معنى لاعتبار النية فيه. وكقول الأوزاعى: إن الطهارة والغسل والتيمم لا يحتاج شىء منها إلى نية، ذكره ابن القصار، وهو كقول الحسن بن حى. وكقول الثورى وأبى حنيفة: إن الطهارة لا تفتقر إلى نية، ونَاقَضَا فى التيمم فجعلاه يفتقر إلى نية، وسائر الفقهاء على خلافهم فتركوا قوله (ﷺ): تمت الأعمال بالنيات - وسائر الأحاديث المشروط فيها النية. وزعم الثورى وأبو حنيفة: أن التيمم مفارق للطهارة، لأن الله تعالى قال فى الماء: (فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) [المائدة: ٦]، ولم يذكر فيه نية، وقال فى التيمم: (فَتَيَمَّمُواْ (والتيمم: القصد فلا يجوز إلا بنية. قال ابن القصار: فيقال لهم: لو سلمنا لكم أن الله نصّ على النية فى التيمم، وأمسك عنها فى الوضوء، لجاز لنا القياس، فنقيس المسكوت عنه على المنصوص عليه، ولما دخلت النية فى التيمم، وهو أقل من الوضوء، كان الوضوء أولى بدخول النية فيه. واحتج الكوفيون أيضًا أن النجاسات يجوز غسلها بغير نية، فكذلك الوضوء، فيقال لهم: الفرق بين غسل النجاسات وبين الطهارة، أن النجاسة قد انخفض أمرها، لأنه عُفى عن اليسير منها يكون
[ ١ / ١٢٢ ]
فى الثوب والبدن مثل الدم، وسمح بموضع الاستنجاء، وليس كذلك الطهارة، لأنه لم يسمح بترك شىء من الأعضاء فى الوضوء والغسل والتيمم. وفرق آخر: وهو أن الطهارة تجب عن أى حدث كان فى الأربعة الأعضاء، سواء كان الحدث غائطًا أو بولا أو غيره، وليست كذلك النجاسة، لأنه لو أصاب فخذه نجاسة لم يجب عليه غسل يده ورجله، ولو أصابت رجله لم يجب عليه غسل يده، فسقط اعتراضهم أنه لما جاز غسل النجاسة بغير نية أنه يجب مثله فى الوضوء. وقد سئل علىُّ بن أبى طالب عن رجل اغتسل للجنابة ولم ينو، قال: يعيد الغسل، ولا يعرف له مخالف، فصار كالإجماع. وأما قول من قال: إن صيام رمضان لا يفتقر إلى نية، فليس بشىء، لأن قضاءه لا يصح إلا بنية، فوجب أن يفتقر أداؤه إلى النية كالصلاة. وقال بعض العلماء: قوله (ﷺ): تمت الأعمال بالنيات - ليس على العموم، وقد توجد أشياء تصح من غير نية، وإن كانت يسيرة فمنها أن مالكًا والكوفيين والشافعى اتفقوا فى المرأة يغيب عنها زوجها مدة طويلة بموت ولا تعلم بموته فيبلغها ذلك بعد عام، أن عدتها من يوم الوفاة، لا من يوم بلغها موته، وهذه عدة بغير نية. ومنها قول ابن القاسم: أنه إذا أعتق الرجل عبده عن غيره فى
[ ١ / ١٢٣ ]
كفارة الظهار بغير علمه أن يجزئه من كفارته، والكفارة فرض عليه، وإن كان قد أبى ذلك أبو حنيفة والشافعى وأشهب، فقالوا: لا يعتق عنه بغير علمه، لأنه فرض وجب عليه. ومما يجزئ بغير نية ما قاله مالك: أن الخوارج إذا أخذوا الزكاة من الناس بالقهر والغلبة أجزأت عمن أخذت منه. ومنها: أن أبا بكر الصديق وجماعة الصحابة أخذوا الزكاة من أهل الردة بالغلبة والقهر ولو لم تجز عنهم ما أخذت منهم. واحتج من خالفهم فى ذلك وجعل قوله (ﷺ): تمت الأعمال بالنية - على العموم فقال: العدة إنما جعلت للاستبراء، وبراءة الرحم خوف الداخلة فى النسب، وهذه رحم قد حصل لها ما ابتغى من الاستبراء بمضى المدة، وإن كانت المرأة لم تعلم ذلك. وقد أجمعوا على أنها لو كانت حاملا لا تعلم بوفاة زوجها أو طلاقه، فوضعت حملها أن عدتها منقضية. وأما أخذ الخوارج الزكاة من الناس فلا حجة فيه لمن قال: إنه عمل بغير نية، لأن النية لا تنفك عنها من غلبة الخوارج، لأن معنى النية ذكره وقت أخذها منه أنه عن الزكاة، أخذها المتغلب عليه إذا لم يأخذها على غير وجه الزكاة، فلا ينفك علمه من ذلك، وهو كالذاكر للصلاة فى وقت أدائها. وقد قال الله تعالى لنبيه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) [التوبة: ١٠٣]، وقام الخلفاء بعده فى أخذها مقامه، وقام من بعدهم من فاسق وصالح.
[ ١ / ١٢٤ ]
معناهم معنى الظالم من الأمراء. ولم يختلف العلماء أن أخذ الظالم لها يجزئه، فالخارجى فى معنى الظالم. وأهل السنة مجمعون على أن المتغلب يقوم مقام الإمام العدل فى إقامة الحدود وجهاد العدو، وإقامة الجمعات والأعياد وإنكاح من لا ولى لها، فكذلك الخوارج، لأنهم من أهل القبلة وشهادة التوحيد. وأما قوله: إن الصديق أخذ الزكاة من أهل الردة بالغلبة فأجزأتهم فليس بشىء، لأن الصديق لم يقصد أخذ الزكاة بعينها منهم، وإنما قصد إلى حربهم وغنيمة أموالهم وسبيهم لكفرهم، ولو قصد إلى أخذ الزكاة فقط لرد عليهم ما فضل عنها من أموالهم. ونحن نقول: إنها لا تجب عليهم بعد كفرهم، ولو أسلموا بعد ذلك. وأما قول ابن القاسم فى الذى يعتق عبده عن غيره فى الظهار، فقد قال الأبهرى: القياس أنه لا يجزئه، لأن المعتق عنه بغير أمره لم ينو عتقه، فالعتق فى الكفارات لا يجزئ بغير نية، وليس ذلك بمنزلة العتق عن الميت فى كفارة عليه، لأن الميت معدوم النية وليس بواجب أن يعتق عنه إذا لم يوص بذلك، والحى غير معدوم النية، ولا يجوز أن تنوب نية غيره عنه، وإلى هذه المسألة رد ابن القاسم مسألة الظهار، ولم يصب وجه القياس على قول مالك. وقد قال أشهب وابن المواز: لا تجوز الكفارة بغير نية. وليس قول مالك والكوفيين فيمن وقف بعرفة بغير نية مغمى
[ ١ / ١٢٥ ]
عليه أنه يجزئه مما يعترض به فى هذا الباب، لأن من وقف بعرفة مغمى عليه فهو كمن أغمى عليه بعد الفجر فى يوم الصيام والإغماء: مرض، والمرض لا يبطل الصوم إلا أن يفطر فيه، وليس فى الإغماء أكثر من عدم العلم بالصوم، وعدم العلم به بعد الدخول فيه لا يبطله دليله النوم والنسيان فهو باق على حكم صيامه، وكذلك من أحرم وهو صحيح فحدث له الإغماء فهو باق على حكم إحرامه. وقال أبو محمد الأصيلى: النية والقصد عند الإحرام تجزئ كالإحرام للصلاة، فإذا أحرم بنية وقصد فإن غيرت النية تعد مع سائر الامتثال أجزأت الصلاة، وكذلك الوقوف بعرفة، ولا يعترض بالصغيرة تجب عليها العدة، وهى غير مخاطبة بالعبادة، لأنها قد تصح منها النية والقصد إلى القربة، وإن لم تكن مكلفة فوليها مكلف فى حملها عليها، ألا ترى أن المرأة التى حجت بالصبى الصغير، قالت: تمت ألهذا حج يا رسول الله؟ قال: نعم، ولك أجر - يعنى فى إحجاج الصبى. وكذلك من أوجب الزكاة فى مال الصغير، جعل الزكاة طهرة للمال وحقا فيه، وجعل ولى الصغير مخاطبًا فيه بدليل قوله: تمت ولك أجر -. قال الطبرى فى قوله (ﷺ): تمت الأعمال بالنيات -: فى هذا بيان من الرسول عن أعمال العباد التى يستوجبون عليها من ربهم الثواب والعقاب، وما منها لله تعالى وما منها لغير الله، وإنما يقترف ذلك عند ابتدائه، وفى أول دخوله فيه، فإذا كان ابتداؤها لله لم يضره ما عرض بعد ذلك فى نفسه وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس
[ ١ / ١٢٦ ]
الشيطان، ولا يزيله عن حكمه إعجاب المرء باطلاع العباد عليه بعد مضيه فيه ولا سروره بذلك، وهذا قول عامة السلف. قال الحسن البصرى: ما عمل آدمى قط عملا إلا سار فى القلب منه سورتان، فإذا كانت الأولى منهما لله لم تهده الأخرى، وإنما المكروه أن يبتدأه بالنية المكروه ابتداؤه بها أو بعمله غير خالص لله، فذلك الذى يستحق عامله عليه العقاب من ربه، وبنحو ذلك قال السلف. وروى الأعمش، عن خيثمة، عن الحارث بن قيس، قال: إذا كنت تصلى فأتاك الشيطان، فقال: إنك ترائى، فزدها طولا. وروى عن الحسن، أن رجلا كان حسن الصوت بالقرآن فقال له: يا أبا سعيد، إنى أقوم الليل فيأتينى الشيطان إذا رفعت صوتى فيقول: إنما تريد الناس، فقال الحسن: لك نيتك إذا قمت من فراشك. وروى أبو داود الطيالسى، قال: حدثنى سعيد بن سنان، عن حبيب بن أبى ثابت، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، أن رجلًا قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل يسره، فإذا اطلع عليه أعجبه؟ فقال (ﷺ): تمت لك أجران، أجر السر، وأجر العلانية -. وقد قسم الطبرى هذه المسألة فى موضع آخر على قسمين، فقال:
[ ١ / ١٢٧ ]
ما كان من الأعمال التى يبتدأ بها لوجه الله، تعالى، لها اتصال كصلاة التطوع التى أقلها ركعة، وكالحج الذى إذا أحرم به فى وقته لم يحل منه إلا وقت طلوع الفجر من يوم النحر برمى الجمرة، والعمرة التى لا يحل منها إلا بالطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة، وشبه ذلك من الأعمال التى لها اتصال بابتداء وانقضاء، فلا تفسد بالعارض فيها من الوسواس من الرياء، وكان عمله على ما ابتدأ من النية، كما أنه لو حدث نفسه بالخروج منها، ولم يفعل فعلا يخرج به منه، لم يكن خارجًا منه، وما كان من الأعمال لا اتصال لها بأول متطاول كالصدقة على المساكين، وتلاوة القرآن، وذكر الله، والتسبيح، وشبهه مما لا تطاول له باتصال، فإن عليه مع كل فعل يفعله من ذلك إحداث نية مجددة، وإرادة منه بها وجه الله غير النية التى سبقت منه للتى قبلها، لأن كل فعلة من ذلك غير التى قبلها والتى بعدها، ولن تفسد الثانية إذا كانت صحيحة بفساد التى قبلها، ولم تصح فهى فاسدة بصحة ما قبلها، والصلاة تفسد الركعة منها بفساد الركعة الأخرى، وتصح بصحتها، ويصح السجود فيها بصحة الركوع، ويفسد بفساده فى بعض الأحوال، وكذلك سائو الأعمال التى لها ابتداء وانقضاء ولها تطاول باتصال.