(١) / ٣ - فيه: عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ عبد اللَّه بنِ زيد، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ﷺ) الرَّجُلُ الَّذِى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّىْءَ فِى الصَّلاةِ، فَقَالَ: تمت لا تَنْفَتِلْ - أَوْ لا تَنْصَرِفْ - حَتَّى تَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ تَجِدَ رِيحًا -. على هذا جماعة من العلماء: أن الشك لا يزيل اليقين، ولا حكم له، وأنه ملغى مع اليقين، وقد اختلفوا فى ذلك، فروى ابن القاسم، عن مالك، أن من شك فى الحدث بعد تيقن الطهارة فعليه الوضوء. وروى عنه ابن وهب أنه قال: أحب إلىَّ أن يتوضأ. وروى ابن نافع، عن مالك أنه لا وضوء عليه. وقال الثورى، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعى: يبنى على يقينه، هو على وضوء بيقين، قالوا: وكذلك يبنى على الأصل حدثًا كان أو طهارة، وحجتهم قوله (ﷺ): تمت لا تنصرف حتى تسمع صوتًا، أو تجد ريحًا -، ولم يفرق بين أول مرة أو بين ما يعتاده من ذلك. قالوا: والأصول مبينة على اليقين، كقوله (ﷺ): تمت إذا شك أحدكم فى صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا، أو أربعًا، فليبن على يقينه -، وكذلك لو شك هل طلق أم لا؟ لم يلزمه الطلاق، لأنه على يقين
[ ١ / ٢٢٣ ]
نكاحه، وهكذا لو شك هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة أم لا؟ فإنه يبنى على يقين طهارته. والحجة لرواية ابن القاسم، عن مالك أنه قال: قد تعبدنا بأداء الصلاة بيقين الطهارة، فإذا طرأ الشك عليها فقد أبطلها، كالمتطهر إذا نام مضطجعًا، فإن الطهارة واجبة عليه بإجماع، وليس النوم فى نفسه حدثًا، وإنما هو من أسباب الحدث الذى ربما كان، وربما لم يكن، وكذلك إذا شك فى الحدث، فقد زال عنه يقين الطهارة. وقال المهلب: لا حجة للكوفيين فى حديث عبد الله بن زيد هذا، لأن الحديث إنما ورد فى المستنكح الذى يشك فى الحدث كثيرًا، ومن استنكحه ذلك فلا وضوء عليه عند مالك وغيره، والدليل على ذلك قوله فيه: تمت شكا إلى رسول الله (ﷺ) - والشكوى لا تكون إلا من علة، ويؤيد هذا قوله: تمت إنه يخيل إلىَّ -، لأن التخييل لا يكون حقيقة، وقد بين ذلك حماد بن سلمة فى حديث عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة، أن رسول الله (ﷺ)، قال: تمت إذا كان أحدكم فى الصلاة فوجد حركة فى دبره فأَشكل عليه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا -. قال أحمد بن خالد: هذا حديث جيد ذكر القصة كيف هى، إنما هى فى الشك، لأن غيره اختصره، فقال: لا وضوء إلا أن يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا، وإنما هذا إذا شك وهو فى الصلاة كما قال هاهنا، لأنه
[ ١ / ٢٢٤ ]
من الشيطان. ومما يدل على ذلك أيضًا ما رواه حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى (ﷺ)، قال: تمت إن الشيطان يأتى أحدكم فى صلاته، فيأخذ شعرة من دبره فيرى أنه قد أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا -. وقد قال بعض أهل العلم: إن قوله (ﷺ): تمت فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا - معارض لقوله، (ﷺ): تمت من شك فى صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا، أم أربعًا، فليأت بركعة -، لأنه حين أمره أن لا ينصرف من صلاته حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا، فقد أمره بالحكم لليقين وإلغاء الشك، وفى حديث الشك فى الصلاة أمره بالحكم للشك وإلغاء اليقين حين أمره بالإتيان بركعة. وليس كما ظنه بل الحديثان متفقان فى إلغاء الشك والحكم لليقين، وذلك أنه أمر الذى يخيل إليه أنه يجد الشىء فى الصلاة أن لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، لأنه كان على يقين من الوضوء فأمره (ﷺ) بإطراح الشك، وأن لا يترك يقينه إلا بيقين آخر، وهو سماع الصوت، أو وجود الريح، والذى يشك فى صلاته فلا يدرى أثلاثًا صلى، أو أربعًا لم يكن على يقين من الركعة الرابعة، كما كان فى الحديث الآخر على يقين من الوضوء، بل كان على يقين من ثلاث ركعات شاكًا فى الرابعة، فوجب أن يترك شكه فى الرابعة، ويرجع إلى يقين من الإتيان بها، فصار حديث الشك فى الصلاة مطابقًا لحديث الشك فى الحدث، مشبهًا له فى أن اليقين يقدح فى الشك، ولا يقدح الشك فى اليقين، والحمد لله.
[ ١ / ٢٢٥ ]