/ ٥٤ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى (إِلَى قَوْلِهِ: (الرَّحِيمُ) [البقرة ١٥٩ - ١٦٠] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ شَغَلَهُمْ الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأنْصَارِ كَانَ شَغَلَهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ لشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لا يَحْفَظُونَ. (١) / ٥٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ، قَالَ: تمت ابْسُطْ رِدَاءَكَ -. فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: تمت ضُمَّهُ -. فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. (٢) / ٥٦ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ النَّبِىِّ (ﷺ) وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ. قال أبو الزناد: فيه حفظ العلم والدءوب عليه، والمواظبة على طلبه، وهى فضيلة لأبى هريرة، فضله (ﷺ) بها بأن قال له: تمت ابسط رداءك، ثم قال: ضمه -، فما نسى شيئًا بعد. وجاء هذا الحديث فى كتاب البيوع، وقال فيه: تمت فما نسيتُ من مقالته تلك من شىء -، وهذا من بركة النبى (ﷺ) . وفيه: فضل التقلل من الدنيا، وإيثار طلب العلم على طلب المال. وفيه: أنه جائز للإنسان أن يخبر عن نفسه بفضله إذا اضطر إلى
[ ١ / ١٩٤ ]
ذلك، لاعتذار من شىء، أو لتبيين ما يلزمه تبيينه إذا لم يقصد بذلك الفخر. وقوله: تمت وأما الآخر لو بثثته قطع هذا البلعوم -، قال المهلب، وأبو الزناد: يعنى أنها كانت أحاديث أشراط الساعة، وما عرف به (ﷺ) من فساد الدين، وتغيير الأحوال، والتضييع لحقوق الله تعالى، كقوله (ﷺ): تمت يكون فساد هذا الدين على يدى أغيلمة سفهاء من قريش -، وكان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم، فخشى على نفسه، فلم يُصَرِّح. وكذلك ينبغى لكل من أمر بمعروف إذا خاف على نفسه فى التصريح أن يُعَرِّض. ولو كانت الأحاديث التى لم يحدث بها من الحلال والحرام ما وَسِعَهُ تركها، لأنه قال: لولا آيتان فى كتاب الله ما حدثتكم، ثم يتلو: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) [البقرة: ١٥٩] . فإن قال قائل: قول أبى هريرة: تمت حفظت من النبى (ﷺ) وعاءين -، يعارض قوله: تمت ما كان أحد من أصحاب النبى، (ﷺ)، أكثر حديثًا منى إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب -، فقوله: تمت لا أكتب -، خلاف قوله: تمت حفظت وعاءين -، لأن الوعاء فى كلام العرب: الظرف الذى يجمع فيه الشىء. قيل: لقوله هذا معنًى صحيح لا يخالف بعضه بعضًا، وذلك أنه
[ ١ / ١٩٥ ]
يجوز أن يريد أبو هريرة أن الذى حفظ من النبى من السنن التى حدث بها وحملت عنه لو كتبت لاحتملت أن يملأ منها وعاء، وما كتم من أحاديث الفتن لو حدث بها يخشى أن ينقطع منه البلعوم، يحتمل أن تملأ وعاء آخر، ولهذا المعنى قال: وعاءين، ولم يقل: وعاء واحدًا، لاختلاف حكم المحفوظ فى الإعلام به والستر له. وقال ثابت: البلعوم هو الحلقوم، وهو مجرى النفس إلى الرئة. قال أبو عبيد: هو البَلْعَمُ والبُلْعُوم. قال ثابت: والمرىء مجرى الطعام والشراب إلى المعدة متصل بالحلقوم، وهو المبتلع والمسترط.