. / ٥ - فيه: أُسَامَةَ، قَالَ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ: الصَّلاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: تمت الصَّلاةُ أَمَامَكَ -، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ، نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ، فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. قال المهلب: قوله: تمت فتوضأ ولم يسبغ الوضوء -، يريد توضأ مرة
[ ١ / ٢٢٧ ]
سابغة، وقد رواه إبراهيم ابن عقبة، عن كريب، قال: تمت فتوضأ وضوءًا ليس بالبالغ -، وإنما فعل ذلك، والله أعلم، لأنه أعجله دفعه الحاج إلى المزدلفة، فأراد أن يتوضأ وضوءًا يرفع به الحدث، لأنه كان (ﷺ) لا يبقى بغير طهارة، ذكره مسلم فى الحديث، وقد جاء فى باب الرجل يوضئ صاحبه هذا الحديث مبينًا. قال أسامة: تمت إن رسول الله (ﷺ) عدل إلى الشعب يقضى حاجته، فجعلت أصب عليه ويتوضأ -، ولا يجوز أن يصب عليه إلا وضوء الصلاة لا وضوء الاستنجاء كما زعم من فسر قوله: تمت ولم يسبغ الوضوء - أنه استنجى فقط، وهذا لا يجوز على رسول الله (ﷺ)، لأنه كان لا يقرب منه أحدٌ، وهو على حاجته، والدليل على صحة ما تأولناه قول أسامة لرسول الله (ﷺ) حين صب عليه الماء: تمت الصلاة يا رسول الله -، لأنه محال أن يقول له: الصلاة، ولم يتوضأ وضوء الصلاة. وقوله: تمت الصلاة أمامك -، أى سنة الصلاة لمن دفع عن عرفة أن يصلى المغرب والعشاء بالمزدلفة، وإن تأخر الأمر عن العادة، ولم يعلم أسامة أن سنة الصلاة بالمزدلفة، إذ كان ذلك فى حجة الوداع، وهى أول سنة سنها رسول الله (ﷺ) فى الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، فلما أتى المزدلفة أسبغ الوضوء أخذًا بالأفضل والأكمل على عادته فى سائر الأيام. وقال أبو الزناد: توضأ ولم يسبغ لذكر الله تعالى، لأنهم يكثرون ذكر الله عند الدفع من عرفة. وقال غيره: وقوله: تمت الصلاة يا رسول الله - فيه من الفقه أن الأدون قد يُذَكِّر الأعلى، وإنما خشى أسامة أن ينسى الصلاة لما كان فيه
[ ١ / ٢٢٨ ]
من الشغل، فأجابه (ﷺ): أن للصلاة تلك الليلة موضعًا لا يتعدى إلا من ضرورة، مع أن ذلك كان فى سفر، ومن سنته (ﷺ) أن يجمع بين صلاتى ليله، وصلاتى نهاره فى وقت إحداهما، ولم يختلف العلماء أن الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة سنة مؤكدة لمن دفع مع الإمام أو بعده. قال المهلب: وفيه اشتراك وقت صلاة المغرب والعشاء، وأن وقتهما واحد. وقوله: تمت صلى المغرب والعشاء ولم يصل بينهما - فيه حجة لمن لا ينتفل فى السفر، وكذلك قال ابن عمر: لو تنفلت لأتممت، يعنى فى السفر. وقال غيره: ليس فى ترك التنفل بين الصلاتين فى وقت جمعهما ما يدل على ترك النافلة فى السفر، لأنه إذا جمع بينهما فلا مدخل للنافلة هناك، لأن الوقت بينهما لا يتسع لذلك، ألا ترى أن من أهل العلم من يقول: لا يحطون رواحلهم تلك الليل حتى يجمعوا؟ ومنهم من يقول: يصلون الأولى، ثم يحطون رواحلهم، مع ما فى ترك الرواحل بأوقارها مما نهى عنه من تعذيبها؟ . وأما ترك التنفل فى السفر، فإن ابن عمر لم يتابع على قوله فى ذلك، والفقهاء متفقون على اختيار التنفل فى السفر، وقد تنفل رسول الله (ﷺ) راجلًا وراكبًا.
[ ١ / ٢٢٩ ]