وَقَالَ أَنَسُ: نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ. وَرَأَى عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ذَلِكَ جَائِزًا. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ فِى الْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِىِّ (ﷺ) حَيْثُ كَتَبَ لأمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا، وَقَالَ: تمت لا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا -. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ، قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِىِّ (ﷺ) . / ٦ - فيه: ابن عَبَّاس، أَنَّ النّبِىِّ (ﷺ) بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ [أَنَّ] ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ. / ٧ - وفيه: أَنَس، كَتَبَ النَّبِىُّ (ﷺ) كِتَابًا - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: تمت مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ -. قال المؤلف: فيه أن المناولة تجرى مجرى الرواية، ألا ترى أن أمير السرية ناوله كتابه، وأمر بقراءته على الناس، وجاز له الإخبار بما فيه عن الرسول (ﷺ) . وفيه أن الذين قُرئ عليهم الكتاب يجوز أن يرووه عن الرسول، (ﷺ)، لأن كتابه إليهم يقوم مقامه، وجائز للرجل أن يقول: حدثنى فلان إذا كتب إليه، والمناولة فى معنى الإجازة، واختلف العلماء فى الإجازة، فأجازها قوم، وكرهها آخرون.
[ ١ / ١٤٦ ]
وذكر ابن أبى خيثمة، عن ابن معين، قال: حدثنا ضمرة، عن عبد الله بن عمر، قال: كنت أرى الزهرى يأتيه الرجل بالكتاب لم يقرأه عليه، ولم يُقرأ عليه، فيقول له: أروى عنك؟ فيقول: نعم. وهذا معناه أنه كان يعرف ثقة صاحبه، ويعرف أنه من حديثه، وإنما كره الإجازة من كرهها، خشية أن يُحدث الذى أجيز له عن العالم بما ليس فى حديثه، أو ينقص من إسناد الحديث أو يزيد فيه. وروى ابن وهب، وابن القاسم، عن مالك أنه سُئل عن الرجل يقول له العالم: هذا كتابى فاحمله عنى، وحدث بما فيه عنى، قال: لا أرى هذا يجوز، ولا يعجبنى، لأن هؤلاء إنما يريدون الحمل الكثير بالإقامة اليسيرة، فلا يعجبنى ذلك. وفى حديث ابن عباس: أن النبى (ﷺ) بعث بكتابه رجلًا، ففقْهُ ذلك: أن الرجل الواحد يجزئ حمله لكتاب الحاكم إلى حاكم آخر إذا لم يشك الحاكم فى الكتاب ولا أنكره، كما لم ينكر كسرى كتاب النبى (ﷺ)، ولا شك فيه، وليس من شرط ذلك أن يحمله شاهدان كما يصنع اليوم القضاة والحكام، وإنما حمل الحكام على شاهدين فى ذلك لما دخل الناس من الفساد، واستعمال الخطوط، ونقوش الخواتم، فاحتيط لتحصين الدماء والأموال بشاهدين. وسيأتى زيادة على هذا المعنى فى باب الشهادة على الخط، وكتاب الحاكم إلى عامله، وكتاب القاضى إلى القاضى فى كتاب الأحكام، إن شاء الله. وفى حديث ابن عباس: بركة دعوة الرسول، لأنه استجيب فى كسرى وطائفته، فمزقوا كل ممزق.
[ ١ / ١٤٧ ]
وفى حديث أنس: أن ختم كتب السلطان والقضاة والحكام، سُنَّة متبعة، وإنما كانوا لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا خوفًا على كشف أسرارهم، وإذاعة تدبيرهم، فصار الختم للكتاب سُنَّة بفعل النبى، (ﷺ) . وقيل فى قوله: (إِنِّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) [النمل: ٢٩] إنه كان مختومًا.