/ ٥٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ (ﷺ) قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظله: رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. . .) الحديث. قال المؤلف: قد تقدم الكلام فى هذا الحديث فى كتاب المحاربين فى باب فضل من ترك الفواحش، ونذكر فى هذا الباب ما روى فى البكاء من خشية الله تعالى عن الأنبياء، ﵈، وعن السلف أيضًا، روى أسد بن موسى، عن عمران بن زيد، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ﷺ): (أيها الناس، ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون فى النار حتى تسيل دموعهم فى وجوههم كأنها جداول، ثم تنقطع الدموع وتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن السفن أجرين فيها لجرت) وكان (ﷺ) إذا قام إلى الصلاة سمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وهذه كانت سيرة الأنبياء والصالحين كأن خوف الله أُشرب قلوبهم واستولى عليهم الوجل حتى كأنهم عاينوا الحساب، وعن يزيد
[ ١٠ / ١٨٧ ]
الرقاشى قال: يا لهفاه سبقنى العابدون، وقطع بى نوح؛ يبكى على خطيئته، ويزيد لا يبكى على خطيئته، إنما سُمّى نوحًا لطول ما ناح على نفسه فى الدنيا. وذكر ابن المبارك عن مجاهد قال: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وكان يبكى من خشية الله، ما لو كان القار على عينيه لخوفه ولقد كانت الدموع اتخذت فى وجهه مجرى. وقال ابن عباس: قال النبي - ﵇ -: (كان مما ناجى الله موسى أنه لم يتعبد العابدون بمثل البكاء من خيفتى، أما البكاءون من خيفتى فلهم الرفيق لا يشاركون فيه) . وعن وهيب بن الورد أن زكريا قال ليحيى ابنه شيئًا فقال له: يا أبة، إن جبريل أخبرنى أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلا كل بكاء. وقال الحسن: أوحى الله إلى عيسى ابن مريم: أكحل عينيك بالبكاء إذا رأيت البطالين يضحكون. وعن وهب بن منبه عن النبي - ﵇ - قال: (لم يزل أخى داود باكيًا على خطيئته مدة حياته كلها)، وكان يلبس الصوف ويفترش الشعر ويصوم يومًا ويفطر يومًا، ويأكل خبز الشعير بالملح والرماد، ويمزج شرابه بالدموع، ولم يُر ضاحكًا بعد الخطيئة، ولا شاخصًا ببصره إلى السماء حياءً من ربه وهذا بعد المغفرة، وكان إذا ذكر خطيئته خر مغشيا عليه يضطرب كأنه أعجب به، فقال: وهذه خطيئة أخرى. وروى عن محمد بن كعب فى قوله تعالى: (وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى
[ ١٠ / ١٨٨ ]
وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥]، قال: الزلفى: أول من يشرب من الكأس يوم القيامة داود وابنه. قال بعض الناس: أرى هذه الخاصة لشربه دموعه من خشية الله ﷿ وكان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: قد تذكر الجنة والنار ولا تبكى وتبكى من هذا؟ قال: رسول الله (ﷺ) قال لى: (إن القبر أول منزلة من منازل الآخرة، فمن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه) . وقال أبو رجاء: رأيت مجرى الدموع من ابن عباس كالشراك البالى من البكاء.