/ ٥٤ - فيه: حُذَيْفَةَ، وَأَبُو سَعِيد، عَنِ النَّبِىِّ (ﷺ) قَالَ: (كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِىءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لأهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَخُذُونِى، فَذَرُّونِى فِى الْبَحْرِ فِى يَوْمٍ صَائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِى صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلَنِى إِلا مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ) . / ٥٥ - وَقَالَ أَبُو سَعِيد فِى حديثه: (إِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، فَسَّرَهَا قَتَادَةُ، لَمْ يَدَّخِرْ، وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللَّهِ يُعَذِّبْهُ، فَانْظُرُوا، فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِى حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا، فَاسْحَقُونِى، أَوْ قَالَ: فَاسْهَكُونِى، ثُمَّ إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ، فَأَذْرُونِى فِيهَا، فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي، فَفَعَلُوا،
[ ١٠ / ١٨٩ ]
فَقَالَ اللَّهُ: كُنْ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أَىْ عَبْدِى، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ، أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ، فَمَا تَلافَاهُ أَنْ ﵀) . قال المؤلف: ذكر البخارى فى باب ما ذكر عن بنى إسرائيل، قال حذيفة: (وكان نباشًا) . قال المؤلف: فغفر الله له بشدة مخافته، وأقرب الوسائل إلى الله خوفه وألا يأمن المؤمن مكره، قال خالد الربعى: وجدت فاتحة زبور داود: رأس الحكمة خشية الربّ. وكان السلف الصالح قد أشرب الخوف من الله قلوبهم واستقلوا أعمالهم ويخافون ألا يقبل منهم مع مجانبتهم الكبائر، فروى عن عائشة: (أنها سألت النبى (ﷺ) عن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون: ٦٠]، قال: يا ابنة الصديّق، هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون، ويخافون ألا يقبل منهم) . وقال مطرف بن عبد الله: كاد خوف النار يحول بينى وبين أن أسأل الله الجنة. وقال بكر، لما نظر إلى أهل عرفات: ظننت أنه قد غفر لهم لولا أنى كنت معهم. فهذه صفة العلماء بالله الخائفين له، يعدون أنفسهم من الظالمين الخاطئين، وهم أنزاه برآه مع المقصرين، وهم أكياس مجتهدون لا يدلون عليه بالأعمال فهم مروّعون خاشعون وجلون
[ ١٠ / ١٩٠ ]
وقال عبد الله بن مسعود: وددت أنى انفلقت عن روثة لا أنتسب إلا إليها، فيقال: عبد الله بن روثة، وأن الله قد غفر لى ذنبًا واحدًا. وقال الحسن البصري: يخرج من النار رجل بعد ألف عام، وليتنى كنت ذلك الرجل، لقد شهدت أقوامًا كانوا أزهد فيما أحل لهم منكم فيما حرم عليكم، ولهم كانوا أبصر بقلوبهم منكم بأبصاركم، ولهم كانوا أشفق أن لا تقبل حسناتهم منكم ألا تؤخذوا بسيئاتكم. وقال حكيم من الحكماء: إذا أردت أن تعلم قدرك عند الله فاعلم قدر طاعة الله فى قلبك. وقال ميمون بن مهران: ما فينا خير إلا أنا نظرنا إلى قوم ركبوا الجرائم وعففنا عنها، فظننا أن فينا خيرًا وليس فينا خير. فإن قال قائل: كيف غفر لهذا الذى أوصى أهله بإحراقه وقد جهل قدرة الله على إحيائه، وذلك أنه قال: (إن يقدر على الله يعذبنى) وقال فى رواية أخرى: (فوالله لئن قدر الله علىَّ ليعذبنى) . قال الطبري: قيل: قد اختلف الناس فى تأويل هذا الحديث، فقال بعضهم: أما ما كان من عفو الله عما كان منه فى أيام صحتّه من المعاصى؛ فلندمه عليها وتوبته منها عند موته، ولذلك أمر ولده بإحراقه وذروه فى البر والبحر خشية من عقاب ربه
[ ١٠ / ١٩١ ]
والندم توبة، ومعنى رواية من روى: (فوالله لئن قدر الله عليه) أى ضيق عليه، كقوله: (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) [الطلاق: ٧]، وقوله: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) [الفجر: ١٦]، لم يرد بذلك وصف بارئه بالعجز عن إعادته حيًا، ويبين ذلك قوله فى الحديث حين أحياه ربه (قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك يا رب) . وبالخوف والتوبة نجا من عذابه ﷿. وقال آخرون فى معنى قوله (لئن قدر الله علىَّ): معناه القدرة التى هى خلاف العجز، وكان عنده أنه إذا أحرق وذرى فى البر والبحر أعجز ربه عن إحيائه، قالوا: وإنما غفر له جهله بالقدرة؛ لأنه لم يكن تقدم من الله تعالى فى ذلك الزمان بأنه لا يغفر الشرك به، وليس فى العقل دليل على أن ذلك غير جائز فى حكمة الله؛ بل الدليل فيه على أنه ذو الفضل والإحسان والعفو عن أهل الآثام، وإنما نقول: لا يجوز أن يغفر الشرك بعد قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: ٤٨]، فأما جواز غفران الله ذلك لولا الخبر فى كتابه فهو كان الأولى بفضله والأشبه بإحسانه لأنه لا يضره كفر كافر، ولا ينفعه إيمان مؤمن. وقال آخرون: بل غفر له وإن كان كفرًا من قوله، من أجل أنه قاله على جهل منه بخطئه؛ فظن أن ذلك صواب. قالوا: وغيرجائز فى عدل الله وحكمته أن يسّوى بين من أخطأ وهو يقصد الصواب، وبين من تعمّد الخطأ والعناد للحق فى العقاب. وقال آخرون: إنما غفر له، وإن كان كفرًا ممن قصد قوله وهو يعقل
[ ١٠ / ١٩٢ ]
ما يقول؛ لأنه قاله وهو لا يعقل ما يقول. وغير جائز وصف من نطق بكلمة كفر وهو لا يعلمها كفرًا بالكفر، وهذا قاله وقد غلب على فهمه من الجزع الذى كان لحقه لخوفه من عذاب الله تعالى وهذا نظير الخبر الذى روى عن النبى (ﷺ) فى الذى يدخل الجنة آخر من يدخلها فيقال له: (إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها) فيقول للفرح الذى يدخله: (يا رب أنت عبدى وأنا ربك مرتين) قالوا فهذا القول لو قاله على فهم منه بما يقول كان كفرًا، وإنما لم يكن منه كفرًا لأنه قاله وقد استخفه الفرح مريدًا به أن يقول: أنت ربى وأنا عبدك، فلم يكن مأخوذًا بما قال من ذلك. ويشهد لصحة هذا المعنى قوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: ٥] . قال المؤلف: وسأذكر كلام الأشعرى ومذهبه فى هذا الحديث فى كتاب الاعتصام فى باب قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ) [الفتح: ١٥]، فهو حديث أكثر الناس فيه القول إن شاء الله. وقوله: (لم يبتئر خيرًا) فإن الأصمعى والكسائى كانا يقولان فيه: لم يقدم خيرًا. وقال غيرهما: معناه أنه لم يقدم لنفسه خيرًا خبأه لها، وقال: إن أصل الابتئار الإخفاء، يقال منه: بأرت الشىء وابتأرته ابتئارًا، ومنه سميت الحفرة: البؤرة، وفيه لغتان ابتأرت وابتيرت، ومصدره ابتئارًا. وقال صاحب العين: البئرة بوزن فعلة: ما ادخرت من شيء.
[ ١٠ / ١٩٣ ]