/ ٤١ - فيه: عَائِشَةَ، سُئلت أَىُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رسُول اللَّه (ﷺ)؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ، قَالَ: قُلْتُ: فَأَىَّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ. / ٤٢ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ (ﷺ): (لَنْ يُنَجّيَ أَحَدًا
[ ١٠ / ١٧٨ ]
مِنْكُمْ عَمَلُهُ)، قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِى اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا وَاغْدُوا، وَرُوحُوا، وَشَىْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا) . / ٤٣ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِىّ (ﷺ): (سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا، وَإِنْ قَلَّ) . / ٤٤ - وَقَالَ فِى حديث آخر: (اكْلَفُوا مِنَ العمل مَا تُطِيقُونَ) . / ٤٥ - وَقَالَ عَلْقَمَة: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِىِّ (ﷺ) هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأيَّامِ؟ قَالَتْ: لا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِىُّ (ﷺ) يَسْتَطِيعُ. / ٤٦ - وفيه: أَنَس، صَلَّى لَنَا النَّبِىّ (ﷺ) يَوْمًا الصَّلاةَ، ثُمَّ رَقِىَ الْمِنْبَرَ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: (قَدْ أُرِيتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِى قُبُلِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ)، مرتين. قال المؤلف: إنما حضّ النبى (ﷺ) أمته على القصد والمداومة على العمل، وإن قلّ خشية الانقطاع عن العمل الكثير فكأنه رجوع فى فعل الطاعات، وقد ذمّ الله ذلك، ومدح من أوفى بالنذر، وقد تقدم بيان هذا المعنى فى أبواب صلاة الليل فى آخر كتاب الصلاة. فإن قال قائل: إن قول عائشة: إن النبى لم يكن يخص شيئًا من الأيام بالعمل؛ يعارضه قولها: ما رأيت رسول الله أكثر صيامًا منه فى شعبان. قيل: لا تعارض بين شىء من ذلك، وذلك أنه كان كثير الأسفار فى الجهاد، فلا يجد سبيلا إلى صيام
[ ١٠ / ١٧٩ ]
الثلاثة الأيام من كل شهر، فيجمعها فى شعبان، ألا ترى قول عائشة: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم فهذا يبين أنه كان لا يخصّ شيئًا من الزمان؛ بل كان يوقع العبادة على قدر نشاطه، وفراغه لذلك من جهاده وأسفاره، فيقل مرةً ويكثر أخرى، هذا قول المهلب، وقد قيل فى معنى كثرة: صيامه فى شعبان وجوه آخر قد ذكرتها فى باب صوم شعبان فى كتاب الصيام. فإن قيل: فما معنى ذكر حديث أنس فى هذا الباب؟ قيل: معناه أن يوجب ملازمة العمل وإدمانه ما مثل له من الجنة للرغبة، ومن النار للرهبة، فكان فى ذلك فائدتان: إحداهما: تنبيه للناس أن يتمثلوا الجنة والنار بين أعينهم إذا وقفوا بين يدى الله، كما مثلها الله لنبيه، وشغله بالفكرة فيهما عن سائر الأفكار الحادثة عن تذكير الشيطان بما يسهيه حتى لا يدرى كم صلّى، والثانية: أن يكون الخوف من النار الممثلة والرغبة فى الجنة نصب عينى المصلى فيكونا باعثين له على الصبر، والمداومة على العمل المبلغ إلى رحمة الله والنجاة من النار برحمته. فإن قال قائل: فإن قوله (ﷺ): (لن يدخل أحدكم عمله الجنة) يعارض قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف: ٧٢] . قيل: ليس كما توهمت، ومعنى الحديث غير معنى الآية، أخبر النبى (ﷺ) فى الحديث أنه لا يستحق أحد دخول الجنة بعمله، وإنما يدخلها العباد برحمة الله، وأخبر الله تعالى فى الآية أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، ومعلوم أن درجات العباد فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم، فمعنى الآية فى ارتفاع الدرجات وانخفاضها والنعيم فيها، ومعنى الحديث فى الدخول فى الجنة والخلود فيها، فلا تعارض بين شيء من ذلك.
[ ١٠ / ١٨٠ ]
فإن قيل: فقد قال تعالى فى سورة النحل: (سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢]، فأخبر أن دخول الجنة بالأعمال أيضًا. فالجواب: أن قوله: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢] كلام مجمل يبينه الحديث، وتقديره ادخلوا منازل الجنة وبيوتها بما كنتم تعملون، فالآية مفتقرة إلى بيان الحديث. وللجمع بين الحديث وبين الآيات وجه آخر هو أن يكون الحديث مفسرًا للآيات، ويكون تقديرها: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف: ٧٢]، و) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور: ١٩]، و) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢] مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم؛ لأن فضله تعالى ورحمته لعباده فى اقتسام المنازل فى الجنة، كما هو فى دخول الجنة لا ينفك منه، حين ألهمهم إلى ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شىء من مجازاة الله عباده من رحمته وتفضله، ألا ترى أنه تعالى جازى على الحسنة عشرًا، وجازى على السيئة واحدة، وأنه ابتدأ عباده بنعم لا تحصى، لم يتقدم لهم فيها سبب ولا فعل، منها أن خلقهم بشرًا سويا، ومنها نعمة الإسلام ونعمة العافية ونعمة تضمنه تعالى لأرزاق عباده، وأنه كتب على نفسه الرحمة، وأن رحمته سبقت غضبه، إلى ما لا يهتدى إلى معرفته من ظاهر النعم وباطنها. وقوله: (إلا أن يتغمدنى الله) قال أبو عبيد: لا أحسب يتغمدنى إلا مأخوذ من غمد السيف، لأنك إذا غمدته فقد ألبسته إياه وغشيته به. وقول عائشة: (كان عمله ديمةً) يعنى دائمًا، وأصل الديمة: المطر الدائم مع سكون، قال لبيد:
[ ١٠ / ١٨١ ]
باتتْ وأسبلَ واكف من ديمةٍ
يروى الخمائلَ دائمًا تسجامها
فأخبر أن الديمة: الدائم، فشبهت عائشة عمله (ﷺ) فى دوامه مع الاقتصاد وترك الغلو بديمة المطر.