/ ٣٩ - فيه: أَنَس، قَالَتْ أُمِّى للنَّبِيّ (ﷺ): خَادِمُكَ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ، قَالَ: (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ) . وترجم له بعد هذا باب الدعاء وكثرة المال مع البركة، وباب الدعاء بكثرة الولد مع البركة. فإن قال قائل: كيف ترجم البخارى فى هذا الحديث باب دعوة النبى (ﷺ) لخادمه بطول العمر، وإنما فى الحديث (اللهم أكثر ماله وولده) . وليس فيه وطول عمره؟ قيل: يحتمل أن يكون ذلك من دليل الحديث من موضعين: أحدهما: أن دعوته (ﷺ) له بكثرة الولد يدل على أن ذلك لا يكون إلا فى كثير من السنين، فدعاؤه له بكثرة الولد دعاء له بطول العمر، والثانى: قوله (ﷺ): (وبارك له فيما أعطيته)، فالعمر مما أعطاه الله هذا الوجه للمهلب. فإن قيل: فما معنى دعائه له بطول العمر، وقد علم (ﷺ) أن الآجال لا يزاد فيها ولا ينقص منها على ما كتب فى بطن أمّه؟ قيل: معنى ذلك والله أعلم أن الله تعالى يكتب أجل عبده إن أطاع الله واتقاه فيكون عمره مدة كذا، فإن لم يطع الله وعصاه كان أجله أقل منها. يدل على صحة ذلك قوله ﷿ فى قصة نوح حين قال لقومه: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) [نوح: ٣، ٤]، يريد أجلًا قد قضى به لكم إن أطعتم، فإن عصيتم لم يؤخركم إلى ذلك الأجل، وكل قد سبق فى علم الله مقدار أجله على ما يكون من فعله، قال ابن قتيبة: ومثله ما روي أن
[ ١٠ / ١٠٦ ]
الصدقة تدفع القضاء المبرم، وأن الدعاء يدفع البلاء، وقد ثبت أنه لا راد لقضاء الله، ومعنى ذلك أن المرء قد يستحق بالذنوب قضاءً من العقوبة، فإن هو تصدّق دفع عن نفسه ما استحق من ذلك، يدل على ذلك قوله: (إن صدقة السر تطفئ غضب الرب) ألا ترى أن من غضبَ الله عليه قد تعرض لعقابه، فإذا زال ذلك الغضب بالصدقة زال العقاب، وكذلك الدعاء يرتفع إلى الله تعالى فيوافق البلاء نازلًا من السماء فيزيله ويصرفه، وكل ذلك قد جرى به القلم فى علم الله تعالى أنه إن تصدق أو دعا، صرف عنه غضب الله وبلاؤه، وفى هذا الحديث حجة لمن قال. الغنى أفضل من الفقر، وهى مسألة اختلف الناس فيها قديمًا، وسيأتى الكلام فيها فى موضعها فى كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى.