/ ٥٦ - فيه: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: (مَا سَأَلَ أحدٌ النَّبِىَّ (ﷺ) عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مَا سَأَلْتُهُ، وَإِنَّهُ قَالَ لِى: (مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ)؟ قُلْتُ: لأنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ، وَنَهَرَ مَاءٍ، قَالَ: (هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ) . / ٥٧ - وفيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ: (أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) . / ٥٨ - وفيه: أَنَس، قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ (ﷺ): (يَجِىءُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَنْزِلَ فِى نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، فتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلاثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ) . / ٥٩ - وفيه: أَبُو بَكْرَة، قَالَ النَّبِىّ (ﷺ): (لا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ، وَلَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ) . / ٦٠ - وفيه: ابْن عُمَرَ، قَامَ النَّبِىّ (ﷺ) فِى النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ
[ ١٠ / ٦٣ ]
بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: (إِنِّى لأنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِىٍّ إِلا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّى سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلا لَمْ يَقُلْهُ نَبِىٌّ لِقَوْمِهِ، إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) . / ٦١ - وزاد ابْن عَبَّاس، وَأَنَس، وأَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ (ﷺ): (بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ) . / ٦٢ - وفيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّ قَالَ النَّبِىّ (ﷺ): (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يَنْطُفُ، أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ، جَعْدُ الرَّأْسِ، أَعْوَرُ الْعَيْنِ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ، رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ) . / ٦٣ - وفيه: عَائِشَةَ، سَمِعْتُ النَّبِىّ (ﷺ) يَسْتَعِيذُ فِى صَلاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. / ٦٤ - وفيه: حُذَيْفَة، وَأَبُو مَسْعُودٍ، أن النَّبِىّ (ﷺ) قَالَ: (الدَّجَّالِ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا، فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ، وَمَاؤُهُ نَارٌ) . إن قال قائل: ما معنى قوله (ﷺ): (ترجف المدينة ثلاث رجفات) وقد قال فى حديث أبى بكرة: (إنه لا يدخل المدينة رعب المسيح)؟ قال المهلب: فالجواب: أن رجفات المدينة ليست من رعبه ولا من خوفه، وإنما ترجف المدينة لمن يتشوف إلى الدجال من المنافقين فيخرجهم أهل المدينة كما قال (ﷺ): (إنها تنفى خبثها) . والدليل على أن المؤمنين فيها لا يرعبون من الدجال؛ أنه يخرج إليه
[ ١٠ / ٦٤ ]
منهم رجل يناظره وهو الذى يقول له الدجال: أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون فى الأمر؟ فيقولون: لا. يعنى فيقول المنافقون الذين معه غير ذلك الرجل الصالح فيقتله ثم يحييه، فيقول ذلك الرجل: والله ما كنت قط أشد بصيرة منى اليوم، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه، فهل يدخل رعبه المدينة وأحدهم يناظره ويقارعه ويجهر له بأنه الدجال، ولا يوهن قلبه ما يراه من قدرة الله الذى أقدره على أن يقتل رجلا ثم يحييه ولا يخافه على مهجته وهو وحده لا يمتنع منه بعدد ولا عدة ولا جماعة. فإن قال قائل: فإذا سلط الدجال على قتل رجل وإحيائه فهذا أن الله قد يعطى آيات الأنبياء وقلب الأعيان أهل الكذب على الله وأشد أعدائه فرية عليه. قال الطبرى: فنقول: إنه لا يجوز أن تعطى أعلام الرسل أهل الكذب والإفك فى الحال التى لا سبيل لمن عاين ما أتى به الفريقان إلى الفصل بين المحق منهم والمبطل، فأما إذا كان لمن عاين ذلك السبيل إلى علم الصادق ممن ظهر ذلك على يده من الكاذب، فلا ينكر إعطاه الله ذلك الكذابين لعلة من العلل كالذى أعطى الدجال من ذلك فتنة لمن شاهده، ومحنة لمن عاينه ليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فإن قيل: وما السبب الذى يصيب به من عاين ما يظهر من ذلك على يد الدجال أنه مبطل؟ قيل: أبين الأسباب فى ذلك أنه ذو أجزاء مؤلفة، وتأليفه
[ ١٠ / ٦٥ ]
عليه بكذبه شاهد، وأن تأثير الصنعة فيه لمن ركب أعضاءه خلق ذليل وعبد مهين، مع آفة به لازمة من عور إحدى عينيه، يدعو الناس إلى الإقرار بأنه ربهم الذى خلقهم، فأسوأ حالات من يراه من ذوى العقول أن يعلم أنه لم يكن ليسوى خلق غيره ويعدله ويحسنه، وهو على دفع العاهات عن نفسه غير قادر. فأقل ما يجب أن يقول له من يدعوه إلى الإقرار له بالألوهية: إنك تزعم أنك خالق السموات والأرض وما فيهما وأنت أعور ناقص الصورة، فصور نفسك وعدلها على صورة من أنت فى صورته إن كنت محقًا فى ذلك، فإن زعمت أن الرب لا يحدث فى نفسه شيئًا فإنك راكب من الخطايا أرذلها، فتحول من الجماد إلى أشرف منه وأزل ما هو مكتوب بين عينيك من الكتاب الشاهد على كذبك. قال المهلب: وأما قوله فى حديث المغيرة: (إنهم يقولون أن معه جبل خبر ونهر ماءٍ. قال (ﷺ): هو أهون على الله من ذلك) . يريد والله أعلم هو أهون من أن يفتن الناس به فيملكه معايش أرزاقهم وحياة أرماقهم، فتعظم بذلك فتنتهم، بل تبقى عليه ذلة العبودية بتحويجه إلى معالجة المعاش، وقد ملكه ما لا يضر به إلا من قضى الله له بالشقاء فى أم الكتاب، وإنما يوهم الناس أن هذه نار يشير إليها ليخافه من لا بصيرة له فى دين الله فيتبعه مخافتها على نفسه، ولو أنعم النظر لرأى أنها ماء بارد وكذلك لما توهن به وهو ماء لمن لا بصيرة له ولا عنده علم بما قدمه الرسول من العلم لأمته بأن ناره ماء، وماءه نار، ومن أعطى فتنته ثم جعل له على تلك الفتنة علم بطلانها ومحالها لم تكن فتنة شاملة، ولا يفتتن
[ ١٠ / ٦٦ ]
بها إلا الأول لافتضاحها بأول من يلقى فيها فيجدها بخلاف ما أوهم فيها، ولولا انتقاله من بلد إلى بلد لأمنت تلك الفتنة إلا على الأول، لكنه يرد كل يوم بلدة لا يعرف أهلها ما افتضح من أمره فى غيرها فيظل يفتن، ويعصم الله العلماء منه، ومن علم علامة الرسول وثبته الله واستدل بأن من كان ذا عاهةٍ لا يكون إلهًا، فقد بان أنه أهون على الله من أن يمكنه من المعجزات تمكينًا صحيحًا، لأن إقداره على قتل الرجل وإحيائه لم يستمر له فى غيره ولا استضر به المقتول إلا ساعة ألمه، وقد لا يجد لقتله ألمًا لقدرة الله على دفع ألمه عنه، فإن آلمه آجره بذلك فى الآخرة، وإن لم يؤلمه فقد أدام له الحياة بإحيائه، ثم لا يسلط على قتل أحد ولا إحيائه. وذكر على بن معبد عن عبد الله بن عمر، وعن زيد بن أبى أنيسة، عن أشعث بن أبى الشعثاء عن أبيه، عن ابن مسعود قال: إن الدجال يرحل فى الأرض أربعين ليلة، وعن أبى مجلز قال: إذا خرج الدجال فالناس ثلاث فرق: فرقة تقاتله، وفرقة تفر منه، وفرقة تشايعه، فمن تحرز منه فى رأس جبل أربعين ليلة أتاه رزقه، وأكثر من يشايعه أصحاب العيال يقولون: إنا لنعرف ضلالته، ولكن لا نستطيع ترك عيالنا، فمن فعل ذلك كان منه. وذكر الطبرى بإسناده عن أبى أمامة الباهلى، عن النبى (ﷺ) أنه حدثهم عن الدجال: (أنه يخرج بين الشام والعراق فيقول أنه نبى، ثم يثنِّى فيقول: أنا ربكم وإنه يأتى بجنة ونار، فناره جنة وجنته نار.
[ ١٠ / ٦٧ ]
فمن ابتلى بناره فليستعن بالله، فإنها تكون عليه بردًا وسلامًا ومن ابتلى به فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف وليتفل فى وجهه، فإنه لا يعدو ذلك، ويقتل رجلًا ثم يحييه وليس يحيى أحدًا بعده، وإن له أربعين يومًا يوم كالسنة ويوم كالشهر ويوم كجمعة ويوم كسائر الأيام، ويعدو الرجل من باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى تغيب الشمس) . وروى الطبرى بإسناده عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد أن النبى (ﷺ) ذكر عندها الدجال فقال: (إن قبل خروجه ثلاثة أعوام تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والعام الثانى تمسك السماء ثلثى قطرها والأرض ثلثى نباتها، والعام الثالث تمسك السماء قطرها والأرض نباتها حتى لا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف إلا مات، ومن أعظم فتنته أنه يأتى الرجل فيقول له: إن أحييت لك أباك أو أخاك أو عمك تعلم أنى ربك؟ فيقول: نعم. فيمثل له شياطين عنده. ويأتى الأعرابى فيقول: إن أحييت لك إبلك عظامًا ضروعها، طوالًا أسنمتها؛ تعلم أنى ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شياطين عنده. فبكى القوم فقال النبى (ﷺ): إن يخرج فيكم فأنا حجيجه، وإلا فالله خليفتى على كل مؤمن. قالت أسماء: ما يكفى المؤمن يومئذ من الطعام يا رسول الله؟ قال: يكفيه ما يكفى أهل السماء التسبيح والتقديس) . وذكر ابن أبى شيبة بإسناده عن عائشة أن النبى (ﷺ) قال: (يخرج مع الدجال يهود أصبهان فيقتله عيسى ابن مريم بباب لد، ثم يمكث عيسى فى الأرض أربعين سنة أو قريبًا منها إمامًا عدلًا وحكمًا مقسطًا) . قال الخطابى: قال ثعلب: الطافية: العنبة التى قد خرجت عن
[ ١٠ / ٦٨ ]
حد بنية أخواتها فعلت ونتأت وظهرت، يقال: طفا الشىء إذا علا وظهر، ومنه الطافى من السمك.