وَقَالَ أَبُو مُوسَى: دَعَا النَّبِىُّ (ﷺ) ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: رَفَعَ النَّبِىُّ (ﷺ) يَدَيْهِ، وَقَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّى أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) . / ٣٦ - وفيه: أَنَس، أَنّ النَّبِىِّ (ﷺ) رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ. قال الطبرى: اختلف الناس فى رفع اليدين فى الدعاء فى غير الصلاة، فكان بعضهم يختار إذا دعا الله تعالى فى حاجته أن يشير
[ ١٠ / ١٠١ ]
بأصبعه السباّبة، ويقول ذلك الإخلاص ويكره رفع اليدين. ذكر من قال ذلك: روى شعبة وعبثر وخالد عن حصين، عن عمارة بن روبية: (أنه رأى بشر بن مروان رافعًا يديه على المنبر، فسبَّه وقال: لقد رأيت رسول الله لا يزيد على هذا يعنى أن يشير بالسبّابة) . وروى سعيد عن قتادة قال: رأى ابن عمر قومًا رفعوا أيديهم، فقال: من يتناول هؤلاء فوالله لو كانوا على رأس أطول جبل ما ازدادوا من الله قربًا. وكرهه جبير بن مطعم، ورأى شريح رجلًا رافعًا يديه يدعو، فقال: من تتناول بها، لا أمّ لك. وقال مسروق لقوم رفعوا أيديهم: قد رفعوها قطعها الله. وكره ابن المسيب رفع الأيدى والصّوت فى الدعاء، وكان قتادة يشير بأصبعيه ولا يرفع يديه، ورأى سعيد بن جبير رجلًا يدعو رافعًا يديه فقال: ليس فى ديننا تكفير. واعتلوا بحديث عمارة بن روبية المتقدّم. وكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما، ثم يختلفون فى صفة رفعهما، حذو صدره بطونهما إلى وجهه، روى ذلك عن ابن عمر، وقال ابن عباس إذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء. وكان على بن أبى طالب يدعو بباطن كفيه، وعن أنس مثله، واحتجوا بما رواه صالح بن كيسان عن محمد بن كعب القرظى، عن ابن عباس، عن النبى (ﷺ) قال: (إذا سألتم الله تعالى فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، وامسحوا بها وجوهكم) . وكان آخرون يختارون رفع أيديهم إلى وجوههم، روى ذلك عن ابن عمر وابن الزبير، واعتلوا بما رواه حماد بن سلمة عن بشر بن حرب قال: سمعت أبا سعيد الخدرى يقول: (وقف رسول الله بعرفة، فجعل يدعو، وجعل ظهر كفيه مما يلى وجهه ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من منكبيه) .
[ ١٠ / ١٠٢ ]
وكان آخرون يختارون رفع أيديهم حتى يحاذوا بها وجوههم وظهورها مما يلى وجوههم، وروى يحيى بن سعيد عن القاسم قال: رأيت ابن عمرو بن العاص يرفع يديه يدعو حتى يحاذى منكبيه ظاهرهما يليانه. وعن ابن عباس قال: إذا أشار أحدكم بأصبع واحدة فهو الإخلاص، وإذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه، وظاهرهما يلى وجهه فهو الابتهال. واحتجوا بحديث أبى موسى وابن عمر وأنس: (أن النبى (ﷺ) كان يرفع يديه فى الدعاء حتى يرى بياض إبطيه) . قال الطبرى: والصواب أن يقال إن كل هذه الآثار المروية عن النبى (ﷺ) متفقة غير مختلفة المعانى، وللعمل بكل ذلك وجه صحيح، فأمّا الدعاء بالإشارة بالأصبع الواحدة، فكما قال ابن عباس أنه الإخلاص، والدعاء بسط اليدين، والابتهال رفعهما، وقد حدثنى محمد بن خالد بن خراش قال: حدثنى مسلم عن عمر بن نبهان، عن قتادة، عن أنس قال: (رأيت النبى (ﷺ) يدعو بظهر كفيه وبباطنهما) . وجائز أن يكون ذلك كان من النبى لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس، وجائز أن يكون إعلامًا منه بسعة الأمر فى ذلك، وأن لهم فعل أى ذلك شاءوا فى حال دعائهم، غير أن أحبّ الأمر فى ذلك إلىّ أن يكون اختلاف هيئة الداعى على قدر اختلاف حاجته، وأما الاستعاذة والاستجارة، فأحب الهيئات إلى فيهما هيئة المبتهل؛ لأنها أشبه بهيئة المستخبر، وقد قال شهر بن حوشب: المسألة ببطن الكفين، والتعوذ مثل التكبير إذا افتتح الصلاة.
[ ١٠ / ١٠٣ ]
فإن قال: فقد جعلت للداعى رفع يديه فى كل حال فما أنت قائل فيما روى يزيد بن زريع، حدثنا سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، أن أنس بن مالك حدثه: (أن النبى (ﷺ) كان لا يرفع يديه فى شىء من الدعاء إلا عند الاستسقاء، فأنه كان يرفعهما حتى يرى بياض إبطيه. قيل: قد روى ابن جريج، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبى (ﷺ) أنه قال: (لا ترفع الأيدى إلا فى سبعة مواطن فى بدء الصلاة، وإذا رأيت البيت، وعلى الصفا والمروة، وعشية عرفة، وبجمع، وعند الجمرتين) . وهذا مخالف لحديث سعيد بن أبى عروبة عن قتادة، وقد ثبت عن النبى (ﷺ) رفع الأيدى فى الدعاء مطلقًا من وجوه. منها: حديث أبى موسى وابن عمر وأنس من طرق أثبت من حديث سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس، وذلك أن سعيد بن أبى عروبة كان قد تغير عقله وحاله فى آخر عمره، وقد خالفه شعبة قى روايته عن قتادة، عن أنس فقال فيه: (كان رسول الله يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه) . ولا شك أن شعبة أثبت من سعيد بن أبى عروبة. وحدثنا ابن المثنى قال: حدثنا ابن أبى عدى عن جعفر بن ميمون صاحب الأنماط عن أبى عثمان، عن سلمان قال: قال رسول الله (ﷺ): (إن ربكم حيى كريم يستحى من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا) . فإن قيل: قد روى عن عطاء وجابر وطاوس ومجاهد أنهم كرهوا رفع الأيدى فى دبر الصلاة قائمًا. قيل: يمكن أن يكون ذلك إذا لم ينزل بالمسلمين نازلة يحتاجوا معها إلى الاستعانة إلى الله تعالى بالتضرع والاستكانة، فالقول كما قال عطاء وطاوس ومجاهد، وإن نزلت بهم نازلة احتاجوا معها إلى الاستعانة إلى الله بالتضرع والاستكانة لكشفها عنهم، فرفع الأيدى عند مالك حسن وجميل.
[ ١٠ / ١٠٤ ]