وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) [نوح: ١٠، ١١]) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [آل عمران: ١٣٥] الآية. / ٣ - فيه: شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، أن رسُول اللَّه (ﷺ) قَالَ: (سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِى وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَىَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِى، فَاغْفِرْ لِى، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ، مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، قَبْلَ أَنْ يُمْسِىَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ، وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) . قال المؤلف: قوله (ﷺ): (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) يعنى: العهد الذى أخذه الله على عباده فى أصل خلقهم حين أخرجهم من أصلاب آبائهم أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم:
[ ١٠ / ٧٥ ]
) أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢] فأقروا له فى أصل خلقهم بالربوبية، وأذعنوا له بالوحدانية، والوعد: هو ما وعدهم تعالى أنه من مات لا يشرك منهم بالله شيئًا وأدّى ما افترض الله عليه أن يدخل الجنة، فينبغى لكل مؤمن أن يدعو الله تعالى أن يميته على ذلك العهد، وأن يتوفاه الله على الإيمان؛ لينال ما وعد تعالى من وفى بذلك اقتداءً بالنبى (ﷺ) فى دعائه بذلك، ومثل ذلك سأل الأنبياء ﵈ الله تعالى فى دعائهم، فقال إبراهيم (ﷺ): (وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) [إبراهيم: ٣٥] وقال يوسف: (تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ) [يوسف: ١٠١] وقال نبينا: (وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنى إليك غير مفتون) . وأعلم أمته بقوله: (أنا على عهدك ووعدك ما استطعت) . إن أحدًا لا يقدر على الإتيان بجميع ما لله، ولا الوفاء بجميع الطاعات والشكر على النعم، إذ نعمه تعالى كثيرة ولا يحاط بها، ألا ترى قوله تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان: ٢٠] فمن يقدر مع هذا أن يؤدى شكر النعم الظاهرة، فكيف الباطنة؟ لكن قد رفق الله بعباده فلم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم وتجاوز عما فوق ذلك، وكان (ﷺ) يمتثل هذا المعنى فى مبايعته للمؤمنين، فيقول: أبايعكم على السمع والطاعة فيما استطعتم. فإن قيل: أين لفظ الاستغفار فى هذا الدعاء، وقد سماه النبى (ﷺ) سيد الاستغفار؟ قيل: الاستغفار فى لسان العرب هو طلب المغفرة من الله تعالى وسؤاله غفران الذنوب السالفة والاعتراف بها، وكل
[ ١٠ / ٧٦ ]
دعاء كان فى هذا المعنى فهو استغفار، مع أن فى الحديث لفظ الاستغفار وهو قوله: (فاغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) . وقال: (من قالها موقنًا بها) يعنى مخلصًا من قلبه ومصدقًا بثوابها فهو من أهل الجنة، وهذا كمعنى قوله (ﷺ): (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) . وقوله: (أبوء لك بنعمتك وأبوء بذنبى) قال صاحب الأفعال: باء بالذنب: أقرّ.