/ ١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ: قَالَ النَّبِىّ (ﷺ): (لِكُلِّ نَبِىٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِى شَفَاعَةً لأمَّتِى فِى الآخِرَةِ) . / ٢ - وفيه: أَنَس، قَالَ: قَالَ النَّبِىّ (ﷺ): (كُلُّ نَبِىٍّ سَأَلَ سُؤْلا، أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِىٍّ دَعْوَةٌ، قَدْ دَعَا بِهَا، فَاسْتُجِيبَت، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِى شَفَاعَةً لأمَّتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . قال المؤلف: أمر الله تعالى عباده بالدعاء وضمن لهم الإجابة فى قوله: (ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠] فإن قيل: فقد علمت تأويل من تأوّل قوله تعالى: (ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠] ادعونى بطاعتكم إياى وعبادتكم لى: أستجب لكم فى الذى التمستم منى بعبادتكم إياى. قال الطبرى: فالجواب: أن من طاعة العبد ربه دعاءه إياه ورغبته فى حاجته إليه دون ما سواه، والمخلص له العبادة المتضرع إليه فى حاجته موقن أن قضاءها بيده متعرض لنجحها منه، ومن عبادته إياه تضرعه إليه فيها، وقد روى وكيع عن سفيان، عن صالح مولى
[ ١٠ / ٧٢ ]
التوءمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (من لم يدع الله غضب الله عليه) . وروى شعبة، عن منصور، عن ذَرِّ، عن يُسَيْعٍ الحضرمى، عن النعمان بن بشير عن النبى (ﷺ) قال: (الدعاء هو العبادة) وقرأ: (ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى) [غافر: ٦٠] فسمى الدعاء عبادة، وروى الأوزاعى، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة، عن النبى (ﷺ) قال: (إن الله يحب الملحين فى الدعاء) . فإن ظن ظان أن قول أبى الدرداء يكفى من الدعاء مع العمل ما يكفى من الملح. وقيل لسفيان: أدع الله؟ فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء. مخالف لما جاء من فضل الإلحاح فى الدعاء والأمر بالدعاء والضراعة إلى الله، فقد ظن خطئًا. وذلك أن الذى جبلت عليه النفوس أن من طلب حاجةً ممن هو عليه ساخط لأمر تقدّم منه استوجب به سخطه أنه بالحرمان أولى ممن هو عنه راضٍ لطاعته له واجتنابه سخطه، فإذا علم من عبده المطيع له حاجةً إليه كفاه اليسير من الدعاء. فإن قيل: هل من علامة يعلم بها إجابة الله العبد فى دعائه؟ . قيل: قد جاء فى ذلك غير شىء، منها ما روى شهر بن حوشب: (أن أمّ الدرداء قالت له: يا شهر إن شفق المؤمن فى قلبه كسعفة أحرقتها فى النار، ثم قالت: يا شهر ألا تجد القشعريرة؟ قلت: نعم. قالت: فادع الله فإن الدعاء يستجاب عند ذلك) . وروى ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير (أنه سمع أبا رهم السماعى يقول: ما يشعر به عند الدعاء والعطاس) .
[ ١٠ / ٧٣ ]
قال المؤلف: فإن قيل: ما معنى قوله (ﷺ): (لكل نبى دعوة مستجابة) . وقد قال الله تعالى للناس كافة: (ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠] فعم كل الدعاء، وهذا وعد من الله لعباده وهو لا يخلف الميعاد، وإنما خصّ كل نبى بدعوة واحدة مستجابة، فأين فضل درجة النبوة؟ قيل: ليس الأمر كما ظننت، ولا يدل قوله تعالى: (ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠] على أن كل دعاء مستجاب لداعيه، وقد قال قتادة: إنما يستجاب من الدعاء ما وافق القدر. وليس قوله: (لكل نبى دعوة مستجابة) . مما يدل أنه لا يستجاب للأنبياء غير دعوة واحدة، وقد ثبت عن النبى (ﷺ) أنه أجيبت دعوته فى المشركين حين دعا عليهم بسبع كسبع يوسف، ودعا على صناديد قريش المعاندين له، فقتلوا يوم بدر، وغير ذلك مما يكثر إحصاؤه مما أجيب من دعائه، بل لم يبلغنا أنه رُد من دعائه (ﷺ) إلا سؤاله أن لا يجعل الله بأس أمته بينهم خاصةً، لما سبق فى أم الكتاب من كون ذلك، قال تعالى: (وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) [البقرة: ٢٥٣] . ومعنى قوله: (لكل نبى دعوة مستجابة) . يريد أن لكل نبى عند الله من رفيع الدرجة وكرامة المنزلة أن جعل له أن يدعوه فيما أحبّ من الأمور ويبلغه أمنيته، فيدعو فى ذلك وهو عالم بإجابة الله له على ما ثبت عنه: (أن جبريل قال له: يا محمد، إن أردت أن يحول الله لك جبال تهامة ذهبًا فعل) . وخيَّره بين أن يكون نبيًا عبدًا وبين أن يكون نبيًا ملكًا، فاختار الآخرة على الدنيا، وليست هذه الدرجة لأحد من الناس، وإنما أمروا بالدعاء راجين الإجابة غير قاطعين عليها؛ ليقفوا تحت الرجاء والخوف.
[ ١٠ / ٧٤ ]
وفي هذا الحديث بيان فضيلة نبينا (ﷺ) على سائر الأنبياء ﵈ حين آثر أمته بما خصّه الله به من إجابة الدعوة بالشفاعة لهم، ولم يجعل ذلك فى خاصّة نفسه وأهل بيته فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء، وصلى الله عليه أطيب الصلاة، فهو كما وصفه الله: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: ١٢٨] .