/ ٥٩ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَس، عن النَّبِىّ (ﷺ) قَالَ: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) . قال المؤلف: روى سنيد، عن هشيم، عن كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر قال: (خرج رسول الله (ﷺ) إلى المسجد، فإذا قوم يتحدثون ويضحكون، قال: أكثروا ذكر الموت، أما والذى نفسى بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا) . وخشية الله إنما تكون على مقدار العلم به، كما قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) [فاطر: ٢٨]، ولما لم يعلم أحد كعلم النبى (ﷺ) لم يخش كخشيته، فمن نور الله قلبه وكشف الغطاء عن بصيرته، وعلم ما حباه الله من النعم، وما يجب عليه من الطاعة والشكر، وأفكر فيما يستقبل من أهوال يوم القيامة،
[ ١٠ / ١٩٥ ]
وما يلقى العباد فى تلك المواقف من الشدائد، وما يعاينوه من مساءلة الله عباده عن مثاقيل الذر، وعن الفتيل والقطمير كان حقيقًا بكثرة الحزن وطول البكاء، ولهذا قال أبو ذرّ: لو تعلمون العلم ما ساغ لكم طعام ولا شراب، ولا نمتم على الفرش، ولاجتنبتم النساء، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون. وقال عبد الله بن عمرو: ابكوا، فإن لم تجدوا بكاءً فتباكوا، فلو تعلمون العلم لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره، ولبكى حتى ينقطع صوته. وقال الفضيل: بلغنى عن طلحة أنه ضحك يومًا فوثب على نفسه، وقال: فيم تضحك، إنما يضحك من قطع الصراط، ثم قال: آليت على نفسى ألا أكون ضاحكًا حتى أعلم متى تقع الواقعة، فلم ير ضاحكًا حتى صار إلى الله. وقال الحسن: يحق لمن عرف أن الموت مورده والقيامة موعده، وأن الوقوف بين يدى الله مشهده، أن يطول فى الدنيا حزنه. وقال سفيان فى قوله تعالى: (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء: ٩١]، قال: الحزن الدائم فى القلب، وقال: إنما الحزن على قدر البصر. وقال بعضهم: الحزن والخشية هى مواريث القلوب التى تُنال بما قبلها من الأعمال، فمن رام أن يقيم فرضه تامًا فيصلى لله بكمال الصلاة، ويصوم بكمال الصيام، ويؤدى كذلك سائر الفرائض، ويقوم بالحق على نفسه وأهله ومن يسأل عنه فى مداخلته ومخالطته، ويقيم ما أمر به فى لسانه وسمعه وبصره، وجميع
[ ١٠ / ١٩٦ ]
جوارحه حتى يدخل فى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: ٣٠]، وجد نفسه عن ذلك عاجزًا مقصرًا، فإذا رأى ذلك بعين جلية وعلم قرب أجله وعظيم خطبه، وأن الوقوف بين يدى الله من ورائه حزن على نفسه، بتخلفه عن السابقة التى يسمعها لغيره، ووجب عليه الجد فى أمره واستجلاب معونة الله بالاعتصام به، قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء: ٩٠] . وقال مطرف بن عبد الله: دع أعمال الشر؛ فإن فى الخير شرًا كثيرًا فلو لم تكن لنا ذنوب إلا أن الله تعالى يؤاخذنا بصحة أعمالنا وإتقانها وإحكامها وإصلاحها وصوابها لكان فى هذا شغل كثير لمن يعقل. وقد تقدم فى كتاب الإيمان فى باب خوف المؤمن أن يحبط عمله ولا يشعر ما يشبه هذا المعنى.