/ ٣٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (أَاللَّهِ الَّذِى لا إِلَهَ إِلا هُوَ، إِنْ كُنْتُ لأعْتَمِدُ بِكَبِدِى عَلَى الأرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لأشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِى مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمِ الَّذِى يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلا لِيُشْبِعَنِى، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِى عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلا لِيُشْبِعَنِى، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِى أَبُو الْقَاسِمِ (ﷺ) فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِى، وَعَرَفَ مَا فِى نَفْسِى، وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا هِرٍّ،
[ ١٠ / ١٧٤ ]
قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْحَقْ وَمَضَى، فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ، فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِى، فَدَخَلَ، فَوَجَدَ لَبَنًا فِى قَدَحٍ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلانٌ أَوْ فُلانَةُ، قَالَ: أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَادْعُهُمْ لِى، قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإسْلامِ، لا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلا مَالٍ وَلا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَصَابَ مِنْهَا، وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا فَسَاءَنِى ذَلِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِى أَهْلِ الصُّفَّةِ، كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ، أَمَرَنِى فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِى مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ (ﷺ) بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، قَالَ: يَا أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: خُذْ فَأَعْطِهِمْ، قَالَ: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ، يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِىِّ (ﷺ)، وَقَدْ رَوِىَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ، فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَنَظَرَ إِلَىَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ، قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ، اقْعُدْ فَاشْرَبْ، فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: اشْرَبْ فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ حَتَّى قُلْتُ: لا، وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا، قَالَ: فَأَرِنِى، فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى، وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ) . / ٣٤ - وفيه: سَعْد قَالَ: إِنِّى لأوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو، وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلا وَرَقُ الْحُبْلَةِ، وَهَذَا السَّمُرُ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِى عَلَى الإسْلامِ، خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِى. / ٣٥ - وفيه: عَائِشَةَ، مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ (ﷺ) مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ.
[ ١٠ / ١٧٥ ]
/ ٣٦ - وَقَالَتْ: مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ (ﷺ) أَكْلَتَيْنِ فِى يَوْمٍ إِلا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ. / ٣٧ - وَقَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ النَّبِىّ (ﷺ) مِنْ أَدَمٍ وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ. / ٣٨ - وعن: أَنَس، كنّا نأتيه وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ، قَالَ: كُلُوا فَمَا أَعْلَمُ النَّبِىَّ (ﷺ) رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ. / ٣٩ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ يَأْتِى عَلَيْنَا الشَّهْرُ وَمَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلا أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ. / ٤٠ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ (ﷺ): (اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا) . قال الطبري: فى اختيار رسول الله (ﷺ) وخيار السلف من الصحابة والتابعين شظف العيش، والصبر على مرارة الفقر والفاقة ومقاساة خشونة خشن الملابس والمطاعم على خفض ذلك ودعته، وحلاوة الغنى ونعيمه ما أبان عن فضل الزهد فى الدنيا وأخذ القوت والبلغة خاصة. وكان نبينا (ﷺ) يطوى الأيام، ويعصب على بطنه الحجر من الجوع؛ إيثارًا منه شظف العيش والصبر عليه، مع علمه بأنه لو سأل ربه أن يسير له جبال تهامة ذهبًا وفضة لفعل، وعلى هذه الطريقة جرى الصالحون، ألا ترى قول أبى هريرة أنه كان يشد الحجر على بطنه من الجوع، وخرج يتعرض من يمر به من الصحابة يسأله عن آى القرآن ليحمله ويطعمه. وفيه أن كتمان الحاجة أحرى بإظهارها وأشبه بأخلاق الصابرين، وإن كان جائزًا له الإخبار بباطن أمره وحاجته لمن يرجوه لكشف فاقته.
[ ١٠ / ١٧٦ ]
وهذا الحديث علم عظيم من أعلام النبوة، وذلك أن النبى (ﷺ) عرف ما فى نفس أبى هريرة، ولم يعلم ذلك أبو بكر ولا عمر. وفيه شرب العدد الكثير من اللبن القليل حتى شبعوا ببركة النبوة. وفيه ما كان (ﷺ) من إيثار البلغة وأخذ القوت فى كرم نفسه وأنه لم يستأثر بشىء من الدنيا دون أمته. وقوله: (اللهم ارزق آل محمد قوتًا) . فيه دليل على فضل الكفاف وأخذ البلغة من الدنيا، والزهد فيما فوق ذلك رغبةً فى توفير نعيم الآخرة، وإيثارًا لما يبقى على ما يفنى لتقتدى بذلك أمته، ويرغبوا فيما رغب فيه نبيهم (ﷺ) . وروى الطبرى بإسناده عن ابن مسعود قال: حبذا المكروهان الموت والفقر، والله ما هو إلا الغنى والفقر وما أبالى بأيهما ابتليت، إن حق الله فى كل واحد منها واجب، إن كان الغنى ففيه التعطف، وإن كان الفقر ففيه الصبر، قال الطبرى: فمحنة الصابر أشد من محنة الشاكر، وإن كانا شريفى المنزلة، غير أنى أقول كما قال مطرف بن عبد الله: لأن أعافى فأشكر أحب إلىَّ من أن أبتلى فأصبر. ومن فضل قلة الأكل ما روى يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (إن أهل البيت ليقل طعمهم فتستنير بيوتهم) . وروى إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، عن محمد بن على، عن أبيه، عن النبى (ﷺ) قال: (من سرّه أن يكون حكيمًا فليقل طعمه، فإنه يغشى جوفه نور الحكمة) . وقال مالك ابن دينار: سمعت
[ ١٠ / ١٧٧ ]
عبد الله الرازي يقول: كان أهل العلم بالله والقبول عنه يقولون: إن الشبع يقسى القلب، ويفتر البدن. ومن سير السلف فى تخليهم من الدنيا ما روى وكيع، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة عن مسروق، عن عائشة قالت: قال أبو بكر في مرضه الذى مات فيه: انظروا ما زاد فى مالى منذ دخلت فى الخلافة؛ فابعثوا به إلى الخليفة بعدى، فإنى قد كنت أستحله، وقد كنت أصيب من الودك نحوًا مما كنت أصيب من التجارة. قالت عائشة: فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبى يحمل صبيانه وناضح كان يسنى عليه، فبعثناهما إلى عمر فأخبرنى جدى أن عمر بكى وقال: رحمة الله على أبى بكر لقد أتعب من بعده. والحُبلة والسمر: نوعان من الشجر أو النبات، عن أبى عبيد. وقد تقدم الكلام فى حديث سعد وما فيه فى كتاب الأطعمة فى باب ما كان النبى (ﷺ) وأصحابه يأكلون وتقدّم فيه أيضًا الكلام فى حديث عائشة وأنس وأبى هريرة مع الأحاديث المعارضة لها.