/ ٦ - فيه: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَاللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنْ يَنْسَخُوهَا فِى الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِى عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا.
[ ١٠ / ٢١٧ ]
/ ٧ - وفيه: يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِى أَرَى النَّبِىّ (ﷺ) حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْىُ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِىُّ (ﷺ) بِالْجِعْرَانَةِ عَلَيْهِ، ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِى رَجُلٍ أَحْرَمَ فِى جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ النَّبِىُّ (ﷺ) سَاعَةً، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى، أَنْ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا هُوَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ، يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّىَ عَنْهُ، فَقَالَ: (أَيْنَ الَّذِى يَسْأَلُنِى عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا)؟ فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ، فَجِىءَ بِهِ إِلَى النَّبِىِّ (ﷺ) فَقَالَ: (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِى بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِى عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِى حَجِّكَ) . قال المهلب: فى حديث أنس عن عثمان بن عفان معنى الترجمة. فإن قال قائل: فما وجه حديث يعلى بن أمية فى هذا الباب؟ . قيل: معناه أن الوحى كله من قرآن وسنة نزل بلسان العرب قريش وغيرهم من طوائف العرب كلها، وأنه (ﷺ) لم يخاطب من الوحى كله إلا بلسان العرب، وبه تكلم النبى للسائل له عن الطيب للمحرم، وبين هذا قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ) [إبراهيم: ٤] . فهذا حتم من الله تعالى لكل أمة بعث إليها رسولًا ليبين لهم ما أنزل إليهم من ربهم، فإن عزب معناه على بعض من سمعه؛ بينه الرسول له بما يفهمه المبين له، ودل قول عثمان:
[ ١٠ / ٢١٨ ]
إذا اختلفتم في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإنه نزل بلسانهم على تشريف قريش على سائر الناس وتخصيصهم بالفضيلة الباقية إلى الأبد حين اختار الله إثبات وحيه الذى هدى به من الضلالة بلغتهم تعبيره بلسانهم وحسبك بهذا من شرف باق. قال أبو بكر بن الطيب: ومعنى قول عثمان: فإنه نزل بلسان قريش، يريد معظمه وأكثره، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره منزل بلغة قريش فقط، وأنه لا شىء فيه من لغة غيرهم؛ فإنه قد ثبت أن فى القرآن همزًا كثيرًا وثبت أن قريشًا لا تهمز وثبت فيه كلمات وحروف هى خلاف لغة قريش، وقد قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [الزخرف: ٣]، ولم يقل قرشيًا، وهذا يدل أنه منزل بجميع لسان العرب؛ وليس لأحد أن يقول أراد قريشًا من العرب دون غيرها، كما أنه ليس له أن يقول أراد لغة عدنان دون قحطان، أو ربيعة دون مضر؛ لأن اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولًا واحدًا. ولو ساغ لمدع أن يدعى أنه أراد قبيلة من قبائل العرب لساغ لآخر أن يقول: إن قوله أنه منزل بلسان قريش أنه أريد به قبيلة من قريش دون غيرها، ومن قال هذا فقد ظهر تخليطه. وقد قال سعيد بن المسيب: نزل القرآن بلغة هذا الحى من لدن هوازن وثقيف إلى ضربه. وقال ابن عباس: نزل القرآن بلغة قريش ولسان خزاعة، وذلك أن الدار كانت واحدة، وقد قال (ﷺ): (أنا أفصحكم لأنى من قريش، ونشأت فى بنى سعد بن بكر) .
[ ١٠ / ٢١٩ ]
فلا يجب لذلك أن يكون القرآن منزلًا بلغة بنى سعد بن بكر؛ بل لا يمتنع أن ينزل بلغة أفصح العرب وبلغة من هو دونهم فى الفصاحة؛ إذا كانت فصاحتهم غير متفاوتة. وقد جاءت الروايات بأن النبى (ﷺ) كان يقرأ بلغة قريش وغير لغتها. فروى ابن أبى شيبة عن الفضل بن أبى خلدة قال: سمعت أبا العالية يقول: قرئ القرآن على النبى (ﷺ) من خمسة رجال فاختلفوا فى اللغة فرضى قراءتهم كلها. وكانت بنو تميم أعرب القوم، فهذا يدل أنه كان يقرأ بلغة تميم وخزاعة وأهل لغات مختلفة، قد أقر جميعها ورضيها.