/ ٨ - فيه: زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، أَرْسَلَ إِلَىَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِى، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّى أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنِّى أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ)؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِى حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِى لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِى ذَلِكَ الَّذِى رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْىَ لِرَسُولِ اللَّهِ (ﷺ)، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِى نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا
[ ١٠ / ٢٢٠ ]
أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ)؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِى خُزَيْمَةَ الأنْصَارِىِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِى بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. / ٩ - وفيه: أَنَس أنّ حُذَيْفَة قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِى أَهْلَ الشَّأْمِ فِى فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلافُهُمْ فِى الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِى الْكِتَابِ اخْتِلافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِى إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِى الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَاللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِى الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِى شَىْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِى الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِى كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِى خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أنَّهُ سَمِعَ أباه زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ،
[ ١٠ / ٢٢١ ]
قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) يَقْرَأُ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأنْصَارِىِّ: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: ٢٣]، فَأَلْحَقْنَاهَا فِى سُورَتِهَا فِى الْمُصْحَفِ. قال أبو بكر بن الطيب: فإن قال قائل: ما وجه نفور أبى بكر وزيد بن ثابت مع فضلهما عن جمع القرآن؟ فالجواب: أنهما لم يجدا رسول الله (ﷺ) قد بلغ فى جمعه إلى هذا الحد من الاحتياط من تجليده، وجمعه بين لوحين، فكرها أن يجمعاه جزعًا من أن يحلا أنفسهما محل من يجاوز احتياطه للدين احتياط رسول الله (ﷺ)، فلما أنبههما عمر، وقال: هو والله خير. وخوفهما من تغير حال القرآن فى المستقبل؛ لقلة حفظته، ومصيره إلى حالة الخفاء والغموض بعد الاستفاضة والظهور، علما صواب ما أشار به وأنه خير، وأن فعل رسول الله (ﷺ) ليس على الوجوب، ولا تركه لما تركه على الوجوب إلا أن يكون قد بين فى شريعته أن مثل فعله لما فعله، أو تركه لمثل ما تركه لازم لنا وواجب علينا، فلما علما أنه لم يحظر جمع القرآن ولا منع منه بسنة ولا بنص آية، ولا هو مما يفسده العقل ويحيله، ولا يقتضى فساد شىء من أمر الدين ولا مخالفة رأى صواب ما أشار به عمر، وأسرعا إليه كما فعل عمر وسائر الصحابة فى رجوعهم إلى رأى أبى بكر فى قتاله أهل الردة، ورأوا ذلك صوابًا لم يشكوا فيه. وربما يشمئز الإنسان أحيانًا من فعل المباح المطلق ويسبق إلى قلبه أنه ليس مما له فعله لفرط احتياطه وتحريه، ثم تبين له بعد
[ ١٠ / ٢٢٢ ]
ذلك أنه مما له فعله، كرجل قيل له: قد سقط عنك فرض الجهاد والصيام والصلاة قائما لزمانتك وعجزك. فأنكر مفارقة العادة عند أول وهلة، فلما رجع إلى نفسه، وعلم أن الصيام يجهده والحركة والقيام يزيده فى مرضه علم جواز تركه. وقد تقدم فى كتاب الأحكام فى باب يستحب للكاتب أن يكون أمينًا عاقلًا زيادة بيان فى تصويب جمع الصديق للقرآن وأنه من أعظم فضائله. قال أبو بكر بن الطيب: فإن قيل: فما وجه جمع عثمان الناس على مصحفه، وقد سبقه أبو بكر إلى ذلك وفرغ منه؟ قيل لهم: إن عثمان لم يقصد بما صنع جمع الناس على تأليف المصحف فقط، ولا كان التشاجر الواقع فى أيامه فى إقرارهم أنه كتاب الله بأسره، وإنما اختلفوا فى القراءات، فاشتد الأمر فى ذلك بينهم وعظم اختلافهم وتشتتهم، وأظهر بعضهم إكفار بعض والبراءة منه، وتلاعن أهل الشام وأهل العراق، وكتب الناس بذلك إلى عثمان من الأمصار وناشدوه الله فى جمع الكلمة ورفع الشتات والفرقة، فجمع عثمان المهاجرين والأنصار وجلة أهل الإسلام وشاورهم فى ذلك فاتفقوا على جمع القرآن وعرضه وأخذه للناس بما صح وثبت من القراءات المشهورة عن النبي - ﵇ -، وطرح ما سواها واستصوبوا رأيه، وكان رأيًا سديدًا موفقا، فرحمة الله عليه وعليهم. وقد ذكر أبو عبيد بإسناده عن على بن أبى طالب قال: لو وليت لفعلت فى المصاحف الذى فعل عثمان.
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
قال غيره وقوله: (حتى وجدت آخر التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدها مع أحد غيره) يدل على تصحيح الروايات الأخر أن الصديق أمر زيدًا ألا يثبت آية فى المصحف إلا بشاهدين يشهدان عليها. وقال أبو بكر بن الطيب: وجه طلبه للشاهدين أن إثبات القرآن حكم من أحكام الشريعة، ولا يجب إمضاء حكم فى الشريعة إلا بشاهدين عدلين. ويحتمل أن يكون أمره بطلب الشاهدين فيما لا يحفظه زيد من كلمات القرآن، وقد ورد بذلك خبر. وروى أسامة بن زيد عن القاسم بن محمد قال: قال أبو بكر لزيد بن ثابت: اقعد فمن آتاك من القرآن بما لا تحفظه ولم تقرأه بشاهدين فاقبله. ولسنا ننكر أن يكون أبو بكر أمر زيدًا بطلب الشاهدين على كل ما يؤتى به مما يحفظه ومما لا يحفظه؛ لأجل حاجته إلى إمضاء الحكم من جهة الظاهر. قال المؤلف: وأفضل ما قيل فى ذلك، ما حدثنا به عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، قال: حدثنا على بن محمد بن لؤلؤ ببغداد، قال: حدثنا أحمد بن الصقر بن ثوبان، قال: حدثنا محمد بن عبيد بن حساب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن رجل من بنى تميم يقال له، أحسب، أنس بن مالك، قال: اختلف المعلمون فى القرآن حتى اقتتلوا،
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
فبلغ ذلك عثمان، فقال: عندى تختلفون وتكذبون به وتلحنون فيه؟ يا أصحاب محمد اجتمعوا، فاكتبوا للناس إمامًا يجمعهم، فكانوا فى المسجد فكثروا، فكانوا إذا تماروا فى الآية يقولون: إنه أقرأ رسول الله هذه الآية فلان بن فلان، وهو على رأس أميال من المدينة، فيبعث إليه فيجئ، فيقولون: كيف أقرأك رسول الله آية كذا وكذا؟ فيكتبون كما قال. رواه إسماعيل بن إسحاق، عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبى قلابة، قال: حدثنى من كان يكتب معهم، قال حماد: أظنه أنس بن مالك القشيرى، قال: كانوا يختلفون فى الآية، فيقولون: أقرأها رسول الله فلان بن فلان، فعسى أن يكون على ثلاث أميال من المدينة، فيرسل إليه فيجاء به. وذكر الحديث سواء وقد أشار أبو بكر بن الطيب إلى هذا المعنى غير أنه لم يذكر الرواية بذلك، وقد ذكرته فى كتاب الجهاد فى باب قوله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: ٢٣] . فإن قيل: فى حديث زيد بن ثابت أنه وجد آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى، وفى آخر الباب قول ابن شهاب عن خارجة بن زيد أنه سمع أباه زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب كنت أسمع النبى (ﷺ) يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ) [الأحزاب: ٢٣] وهذا اختلاف يوجب التضاد. قال المهلب: ولا تضاد فى هذا، وهذه غير قصة الأحزاب؛
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
لأن الآية التي في التوبة مع أبي خزيمة، وهو معروف من الأنصار وقد عرفه أنس، وقال: نحن ورثناه. والتى فى الأحزاب ليست صفة النبى (ﷺ) وهذه وجدت مع خزيمة بن ثابت، وهو غير أبى خزيمة، فلا تعارض فى هذا، والقصة غير القصة لا إشكال فيها ولا التباس والسورة غير السورة، والتى فى الأحزاب سمعها زيد وخزيمة من النبى فهما شاهدان على سماعها منه، وإنما أثبتت التى فى التوبة بشهادة أبى خزيمة وحده لقيام الدليل على صحتها فى صفة النبى فهى قرينة تغنى عن طلب شاهد آخر. وفى أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التى فيها أسماء الله تعالى وأن ذلك إكرام لها، وصيانة من الوطء بالأقدام وطرحها فى ضياع من الأرض. وروى معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه كان يحرق الصحف إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها بسم الله الرحمن الرحيم، وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة، وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان فيها ذكر الله، وقول من حرقها أولى بالصواب. وقد قال أبو بكر بن الطيب: جائز للإمام تحريق الصحف التى فيها القرآن إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك. وقال أبو عبيد: اللخاف: الحجارة الرقاق، والعسب: جمع عَسيب وهى جريدة من النخل، وجمعه عسبان وأعسب من كتاب العين.
[ ١٠ / ٢٢٦ ]