/ ٧٢ - فيه: جُنْدَب، قَالَ النَّبِىُّ (ﷺ): (مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِى يُرَائِى اللَّهُ بِهِ) . قال المؤلف: قوله: (من سمع) معناه من سمع بعمله الناس وقصد به اتخاذ الجاه والمنزلة عندهم، ولم يرد به وجه الله، فإن الله تعالى يسمع به خلقه، أى يجعله حديثًا عند الناس الذى أراد نيل المنزلة عندهم بعمله، ولا ثواب له فى الآخرة عليه، وكذلك من راءى بعمله الناس راءى الله به، أى أطلعهم على أنه فعل ذلك لهم ولم يفعله لوجهه، فاستحق على ذلك سخط الله وأليم عقابه، وقد جاء فى الحديث عن النبى (ﷺ) أنه قال: (يقال للعبد يوم القيامة: فعلت كذا وكذا ليقال فقد قيل، اذهبوا به إلى النار) . قال الطبرى: فإن قال قائل: كيف يسلم من الرياء فى العمل الظاهر، وقد روى عن عمر وعثمان وابن مسعود وجماعة من السلف أنهم كانوا يتهجدون من الليل فى مساجدهم بحيث يعلم ذلك من فعلهم معارفهم، وكانوا يتذاكرون إظهار المحاسن من أعمالهم مع ما تواترت به الآثار أن أفضل العمل ما استّسر به صاحبه، وذلك على نوعين: فأما من كان إمامًا يقتدى به ويُستن بعمله، عالمًا بما لله عليه فى فرائضه ونوافله، قاهرًا لكيد عدوه، فسواء عليه ما ظهر من عمله وما خفى منه؛ لإخلاصه نيته لله وانقطاعه إليه بعمله، بل إظهاره ما يدعو عباد الله إلى الرغبة فى مثل حاله من أعماله السالمة أحسن إن شاء الله تعالى. وإن كان ممن لا يقتدى به، ولا يأمن من عدوه قهره، ومن هواه غلبته حتى يفسد عليه عمله؛ فإخفاؤه
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
النوافل أسلم له، وعلى هذا كان السلف الصالح، روى حماد، عن ثابت، عن أنس، عن النبى (ﷺ) أنه: (سمع رجلًا يقرأ ويرفع صوته بالقرآن فقال: أواب. وسمع آخر يقرأ فقال: مرائى. فنظروا فإذا الأوّاب المقداد بن عمرو) وروى الزهرى، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة: (أن عبد الله بن حذافة صَلّى فجهر بالقراءة، فقال له رسول الله (ﷺ): يا ابن حذافة، لا تسمعنى وأسمع الله) . قال وهيب بن الورد: لقى عالم عالمًا هو فوقه فى العلم، فقال: يرحمك الله ما الذى أخفى من عملى؟ قال: حتى يظن بك أنك لم تعمل حسنةً قط إلا الفرائض. قال: يرحمك الله فما الذى أعلن؟ قال الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وقال الحسن: لقد أدركت أقوامًا ما كان أحدهم يقدر على أن يُسر عمله فيعلنه، قد علموا أن أحرز العملين من الشيطان عمل السرّ، قال: وإن كان أحدهم ليكون عنده الزور وإنه ليصلى وما يشعر به زوره. وكان عمل الربيع بن خثيم سرًا كان يقرأ فى المصحف، ويدخل عليه الداخل فيغطيه. وقال بشر بن الحارث: لما ودع الخضر داود، ﵉، قال له: ستر الله عليك بطاعته. وروى عن ابن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وكان عمر يرفع صوته، فقيل لأبى بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجى ربى وقد علم حاجتى. قيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان. قال: أحسنت. فلما نزلت: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) [الإسراء: ١١٠]، قيل لأبى بكر: ارفع شيئًا، وقيل لعمر: اخفض شيئًا. فهؤلاء الأئمة المقتدى بهم.
[ ١٠ / ٢٠٩ ]