/ ٥٦ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ (ﷺ) كَانَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّى خَطَايَاىَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِى مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِى وَبَيْنَ خَطَايَاىَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) . وترجم له باب الاستعاذة من فتنة الغنى، وترجم له باب الاستعاذة من فتنة الفقر، وترجم لحديث أنس باب الاستعاذة من الجبن والكسل وفيه: اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال) . وترجم له باب التعوذ من البخل وفيه سعد عن النبى (ﷺ): إنى أعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من الرد إلى أرذل العمر)، وترجم له ولحديث عائشة باب الاستعاذة من أرذل العمر، وترجم لحديث أنس باب التعوذ من أرذل العمر، وفيه: (أعوذ بك من الهرم) . قال المؤلف: جميع أبواب الاستعاذة التى ترجم بها تدل آثارها على أنه ينبغى سؤال الله والرغبة إليه فى كل ما ينزل بالمرء من حاجاته، وأن يعيّن كل ما يدعو فيه، ففى ذلك إطالةُ الرغبة إلى الله تعالى والتضرع إليه وذلك طاعة الله تعالى، وكان النبى (ﷺ) يتعوذ بالله من كل ذلك ويعينه باسمه، وإن كان الله قد عصمه
[ ١٠ / ١١٧ ]
من كل شر، ليلزم نفسه خوف الله تعالى وإعظامه، وليسُنّ ذلك لأمته ويعلمهم كيف الاستعاذة من كل شىء، وقد روى ثابت البنانى عن أنس قال: قال رسول الله (ﷺ): (ليسأل أحدكم ربه حاجاته كلها، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع) . ليستشعر العبد الافتقار إلى ربه فى كل أمر وإن دق ولا يستحيى من سؤاله ذلك، فالتعوذ من فتنة المحيا والممات دعاء جامع لمعان كثيرة لا تُحصى وكذلك التعوذ من المأثم والمغرم، روى عن عائشة: (أن رجلًا قال للنبى (ﷺ) ما أكثر ما تستعيذ من المأثم والمغرم. فقال رسول الله (ﷺ): إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف) . وضلع الدين: هو الذى لا يجد دينه من حيث يؤديه، وهو مأخوذ من قول العرب: حمل مضلع أى: ثقيل، ودابة مضلع: لا تقوى على الحمل، عن صاحب العين، فمن كان هكذا فلا محالة أنه يؤكد ذلك عليه الكذب فى حديثه، والخلف فى وعده. قال الطبرى: فإن قال قائل: فإذا قد صح تعوّذ النبى (ﷺ) من المغرم، فما أنت قائل فى ما روى جعفر بن محمد عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله (ﷺ): (إن الله مع الدائن حتى يقضى دينه، ما لم يكن فيما كره الله ﷿) . وكان عبد الله بن جعفر يقول: اذهب فخذ لى بدين، فإنى أكره أن أبيت ليلة إلا والله معى بعد ما سمعت من رسول الله (ﷺ) . قيل: كلا الخبرين صحيح، وليس فى أحدهما دفع
[ ١٠ / ١١٨ ]
للآخر فأما قوله - ﵇ -: (إن الله مع الدائن حتى يقضى دينه ما لم يكن فيما يكره الله تعالى) . فهو المستدين الذى ينوى قضاء دينه، وعنده فى الأغلب ما يقضيه فالله تعالى فى عونه على قضائه، وأما المغرم الذى استعاذ منه (ﷺ)، فإنه الدين الذى استدين على أحد ثلاثة أوجه: إما فيما يكرهه الله ولا يجد سبيلًا إلى قضائه فحق الله تعالى أن يؤديه، ومستدين فيما لا يكرهه؛ ولكنه لا وجه عنده لقضائه إن طالب به صاحبه، فهو معرض لهلاك أموال الناس ومتلف لها، ومستدين له إلى القضاء سبيل؛ غير أنه نوى ترك القضاء وعزم على جحده، فهو عاص لربه وظالم لنفسه، فكل هؤلاء فى القضاء مخلفون وفى حديثهم كاذبون. فكان معلومًا بذلك أن الحال التى كره (ﷺ) الدين فيها غير الحال التى ترخص لنفسه فيها، وذلك أنه (ﷺ) مات ودرعه رهن عند يهودى بعشرين صاعًا من شعير، وأما فتنة الغنى فيخشى منها بطر المال وما يئول من عواقب الإسراف فى إنفاقه، وبذله فيما لا ينبغى، ومنع حقوق الله فيه، ففتنة الغنى متشعبة إلى ما لا يحصى عده، وكذلك فتنة الفقر يخشى منها قلة الصبر على الإقلال والتسخط له وتزيين الشيطان للمرء حال الغنى وما يئول من عاقبة ذلك لضعف البشرية، وكذلك الاستعاذة من العجز والكسل لأنهما يمنعان العبد من أداء حقوق الله وحقوق نفسه وأهله، وتضييع النظر فى أمر معاده وأمر دنياه، وقد أمر المؤمن بالاجتهاد فى العمل والإجمال فى الطلب ولا
[ ١٠ / ١١٩ ]
يكون عالةً ولا عيالًا على غيره ما متّع بصحة جوارحه وعقله، وكذلك الجبن مهانة فى النفس وذلة، ولا ينبغى للمؤمن أن يكون ذليلًا بالإيمان ولزوم طاعة الله التى تؤدى إلى النعيم المقيم، فينبغى للمؤمن أن يكثر التعوّذ من ذلك والهرم هو أرذل العمر الذى ينتهى بصاحبه إلى الخوف وذهاب العقل، فيعود العالم جاهلًا ويصير إلى حال من لا تمييز له، ولا يقدر على أداء ما يلزمه من حقوق الله وحاجة نفسه، ومثل هذا خشى عمر ﵁ حين قال: اللهم كبرت سنى، وضعفت قوتى، وانتشرت رعيتى فاقبضنى إليك غير مفرط ولا مضيّع. وكان سنه حينئذ فيما قال مالك ستين سنةً، وقيل: خمس وخمسين. فخشى، ﵁، مزيد ضعفه فيضيع مما قلده الله شيئًا، ومن متّعه الله بصحة لم يزده طول العمر إلا خيرًا يستكثر من الحسنات ويستعتب من السيئات، وكذلك الهم والحزن لا ينبغى للمؤمن أن يكون مهمومًا بشىء من أمور الدنيا، فإن الله تعالى قد قدّر الأمور فأحكمها وقدّر الأرزاق، فلا يجلب الهم للعبد فى الدنيا خيرًا، ولا يأتيه بما لم يقدر له، وفى طول الهم قلة رضًا بقدر الله وسخطه على ربّه. وقد كان عمر بن عبد العزيز يقول: اللهم رضنى بالقضاء، وحّبب إلىّ القدر حتى لا أحب تقديم ما أخرت ولا تأخير ما قدّمت. ومن آمن بالقدر فلا ينبغى له أن يهتم على شىء فاته من الدنيا ولا يتهم، ربّه ففيما قضى له الخيرة، وإنما ينبغى للعبد الاهتمام بأمر الآخرة ويفكر فى معاده وعرضه على ربه، وكيف ينجو من سؤاله عن الفتيل والقطمير ولذلك قال (ﷺ): (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا) . فهاهنا يحسن الهم والبكاء.
[ ١٠ / ١٢٠ ]
وغلبة الرجال أشد من الموت؛ لأن المغلوب يصير كالعبد لمن غلبه وقهره، وكذلك البخل استعاذ منه - ﵇ - لقوله تعالى: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩]، وقال - ﵇ -: (وأى داء أدوى من البخل) . ومعنى ذلك أن البخيل يمنع حقوق الله، وحقوق الآدميين، ويمنع معروفه ورفده، ويسئ عشرة أهله وأقاربه. قال الطبرى: فإن قال قائل: قد دعا النبى (ﷺ) بالمفصّلات والجوامع، وكان السلف يستحبون الدعاء إلى الله تعالى بالجوامع كنحو الرغبة فى العفو والعافية، والمعافاة فى الدنيا والآخرة اكتفاءً منهم بعلم الله بموضع حاجتهم ومبلغا. قيل: لكل نوع من ذلك حالة يختار العمل به فيها على الآخر فالجوامع تحتاج فى حال الحاجة إلى الإنجاز والاقتصاد، والمفصلات بالأسماء والصفات فى حالة الحاجة إلى إدامة الرغبة إلى من بيده مفاتيح خزائن السماوات والأرض استفتاحًا بذلك مغاليقها، وقد دعا (ﷺ) بكل ذلك فى مواضعه.