وَقوله تَعَالَى: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران: ١٨٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر: ١٥] . وَقَالَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلٌ.
[ ١٠ / ١٤٩ ]
/ ٥ - فيه: ابْن مسعود، قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ - ﵇ - خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِى الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِى فِى الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِى فِى الْوَسَطِ، وَقَالَ: (هَذَا الإنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ، وَهَذَا الَّذِى خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الأعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا) . / ٦ - وفيه: أَنَس، خَطَّ النَّبِىُّ (ﷺ) خُطُوطًا، فَقَالَ: (هَذَا الأمَلُ، وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأقْرَبُ) . قال المؤلف: مثل النبى (ﷺ) فى حديث ابن مسعود أمل ابن آدم وأجله وإعراض الدنيا التى لا تفارقه بالخطوط، فجعل أجله الخط المحيط، وجعل أمله وإعراضه خارجة من ذلك الخط، ومعلوم فى العقول أن ذلك الخط المحيط به الذى هو أجله؛ أقرب إليه من الخطوط الخارجة منه، ألا ترى قوله (ﷺ) فى حديث أنس: (فبينا هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب) . يريد أجله؟ وفى هذا تنبيه من النبى (ﷺ) لأمته على تقصير الأمل، واستشعار الأجل خوف بغتة الأجل، ومن غيب عنه أجله فهو حرى بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه فى حال غرة وغفلة، ونعوذ بالله من ذلك، فَلْيُرِضْ المؤمن نفسه على استشعار ما نُبه عليه، ويجاهد أمله وهواه ويستعين بالله على ذلك، فإن ابن آدم مجبول على الأمل كما قال (ﷺ) فى الباب بعد هذا: (لا يزال قلب الكبير شابًا فى حب الدنيا وطول الأمل) . وقال الطبرى: فى قوله: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ) [الحجر: ٣]، يعنى ذرِ المشركين يا محمد يأكلوا فى هذه الدنيا ويتمتعوا من شهواتها ولذاتها إلى أجلهم الذى أجلت لهم، ويلههم الأمل عن الأخذ
[ ١٠ / ١٥٠ ]
بطاعة الله فيها، وتزودهم لمعادهم منها بما يقربهم من ربهم. فسوف يعلمون غدًا إذا وردوا عليه، وقد هلكوا بكفرهم بالله حين يعاينون عذاب الله أنهم كانوا فى تمتعهم بلذات الدنيا فى خسار وتبابٍ) .