/ ١٢ - فيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (أَقْرَأَنِى جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِى حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) . / ١٣ - وفيه: عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (ﷺ)، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ)، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِى الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِى سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ)، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ﷺ)، فَقُلْتُ: إِنِّي
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): (أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ)، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِى سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): (كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ)، ثُمَّ قَالَ: (اقْرَأْ يَا عُمَرُ)، فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِى أَقْرَأَنِى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): (كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) . قال المؤلف: قد أكثر الناس فى تأويل هذا الحديث ولم أجد فيه قولًا يسلم من المعارضة، وأحسن ما رأيت فيه ما نقله أبو عمر عثمان بن سعيد المقرئ فى بعض كتبه، ولم يسم قائله، قال: إنى تدبرت معنى هذا الحديث وأمعنت النظر فيه بعد وقوفى على أقاويل السلف والخلف، فوجدته متعلقًا بخمسة أوجه، هى محيطة بجميع معانيه: فأولها: أن يقال: ما معنى الأحرف التى أرادها النبى (ﷺ)؟ وكيف تأويلها؟ والثانى: ما وجه إنزال القرآن على هذه السبعة الأحرف، وما المراد بذلك؟ والثالث: فى أى شىء يكون اختلاف هذه السبعة الأحرف؟ والرابع: على كم معنى تشتمل هذه السبعة الأحرف؟ والخامس: هل هذه السبعة الأحرف كلها متفرقة فى القرآن، موجودة فيه فى ختمة واحدة، حتى إذا قرأ القارئ بأى حرف من حروف أئمة القراء بالأمصار المجتمع على إمامتهم فقد قرأ بها كلها؟ أو ليست كلها متفرقة فيه وموجودة فى ختمة واحدة؟ وأنا مبين ذلك إن شاء الله. فأما معنى الأحرف التى أوردها النبى (ﷺ) هاهنا فإنه يتوجه إلى وجهين: أحدهما: أن يكون أراد سبعة أوجه من اللغات بدليل قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ) [الحج: ١١]،
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
فالمراد بالحرف هاهنا الوجه الذى تقع عليه العبادة. والمعنى: ومن الناس من يعبد الله على النعمة تصيبه، والخير يناله من تثمير المال، وعافية البدن، وإعطاء السؤل، ويطمئن إلى ذلك ما دامت له هذه الأمور واستقامت، فإن تغيرت حاله، وامتحنه الله بالشدة فى عيشه والضر فى بدنه ترك عبادة ربه وكفر به، فهذا عَبَد الله على وجه واحد، وذلك معنى الحرف والوجه. الثانى: أن يكون النبى (ﷺ) سمى القراءات أحرفًا على طريق السعة كنحو ما جرت عليه عادة العرب فى تسميتهم الشىء باسم ما هو منه وما قاربه وما جاوره، وتعلق به ضربًا من التعلق وتسميتهم الجملة باسم البعض منها، فسمى النبى القراءة حرفًا، وإن كان كلامًا كثيرًا من أجل أن منها حرفًا قد غير بضمة أو كسر أو قلب إلى غيره، أو أميل أو زيد فيه أو نقص منه على ما جاء فى المختلف فيه من القراءات، فنسب النبى القراءة والكلمة التامة إلى ذلك الحرف المغير، فسمى القراءة به؛ إذ كان ذلك الحرف منها على عادة العرب فى ذلك كما يسمون القصيدة قافية، إذ كانت القافية كقول الخنساء: وقافية مثل حد السنان تبقى ويهلك من قالها تعنى: قصيدة، فسميت قافية على طريق الاتساع، كما يسمون الرسالة والخطبة: كلمة، إذ كانت الكلمة منها. قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى) [الأعراف: ١٣٧]،
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
وقيل: إنه تعالى عنى بالكلمة هاهنا قوله فى سورة القصص: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ) [القصص: ٥] الآية. وقال مجاهد: قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) [الفتح: ٢٦]، قال: لا إله إلا الله. فخاطبهم (ﷺ) بما جرى تعارفهم عليه فى خطابهم. وأما وجه إنزال القرآن على هذه السبعة الأحرف، وما أراد الله بذلك، فإنما ذلك توسعة من الله على عباده ورحمة لهم وتخفيفًا عنهم لما هم عليه من اختلاف اللغات واستصعاب مفارقة كل فريق منهم لطبعه وعادته فى الكلام إلى غيره، فخفف الله عنهم بأن أقرأهم على مألوف طبعهم وعادتهم فى كلامهم، يدل على ذلك ما روى أبو عبيدة من حديث حذيفة عن النبى (ﷺ) قال: (لقيت جبريل عند أحجار المرى فقلت: يا جبريل، إنى أرسلت إلى أمة أمية: الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفانى الذى لم يقرأ كتابًا قط. قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف) . روى حماد بن سلمة من حديث أبى بكرة (أن جبريل أتى النبى (ﷺ) فقال: اقرأ القرآن على حرف. فقال ميكائيل: استزده. فقال: اقرأ على حرفين. فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف كل كاف شاف) . ويمكن أن تكون هذه السبعة أوجه من اللغات هى أفصح اللغات، فلذلك أنزل القرآن عليها. ذكر ثابت السرقطى فى هذا المعنى: قوله: (سبعة أحرف) يريد والله أعلم على لغات شعوب من العرب سبعة أو
[ ١٠ / ٢٣١ ]
جماهيرها كما قال الكلبي: خمسة منها لهوازن وحرفان لسائر الناس. وقال ابن عباس: نزل القرآن على سبعة أحرف صارت فى عجز هوازن منها خمسة. وقال أبو حاتم: عجز هوازن ثقيف، وبنو سعد ابن بكر، وبنو جشم، وبنو مضر، قال أبو حاتم: خص هؤلاء دون ربيعة وسائر العرب لقرب جوارهم من مولد النبي - ﵇ - ومنزل الوحي، وإنما مضر وربيعة أخوان. قال قتادة عن سعيد بن المسيب: نزل القرآن على لغة هذا الحي من لدن هوازن وثقيف إلى ضربه. وأما فى أى شيء يكون اختلاف هذه السبعة أحرف فإنه يكون فى أوجه كثيرة منها تغير اللفظ نفسه وتحويله إلى لفظ آخر، كقوله تعالى: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٤] بغير ألف، و) مالك (بألف، والسراط بالسين والصاد والزاى ومنها الإثبات والحذف كقوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا) [البقرة: ١١٦]،) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) [آل عمران: ١٣٣]،) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا) [التوبة: ١٠٧] بالواو وبغير واو، ومنها تبديل الأدوات كقوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) [الشعراء: ٢١٧] فى الشعراء بالفاء، وتوكل بالواو (فلا يخاف عقابها) بالفاء، ولا يخاف عقابها بالواو، ومنها التوحيد والجمع، كقوله تعالى: (الريح (و) الرياح (، ومنها) فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧]، و) رسالاته (و) آية للسائلين (و) آيات (. ومنها: التذكير والتأنيث كقوله تعالى: (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) [البقرة: ٤٨] بالياء والتاء، و(فناداه الملائكة) و) فَنَادَتْهُ) [آل عمران: ٣٩]، و(استهواه الشياطين) و) اسْتَهْوَتْهُ) [الأنعام: ٧١]، ومنها التشديد والتخفيف كقوله تعالى: (بِمَا كَانُوا
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
يَكْذِبُونَ) [البقرة: ١٠] بتشديد الذال وتخفيفها، ومنها الخطاب والإخبار كقوله تعالى: (وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) [البقرة: ١٤٤] و) أَفَلاَ يَعْقِلُونَ) [يس: ٦٨]،) وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ) [البقرة: ١٣]، وشبه ذلك بالتاء على الخطاب، وبالياء على الإخبار، ومنها الإخبار عن النفس، والإخبار عن غير النفس، كقوله تعالى: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء) [الزمر: ٧٤] بالنون وبالياء،) وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ) [يونس: ١٠٠] بالنون والياء، ومنها التقديم والتأخير كقوله تعالى: (وقتلوا وقاتلوا)،) وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا) [آل عمران: ١٩٥] و) فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) [التوبة: ١١١]، وكذلك (زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) و) قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ) [الأنعام: ١٣٧] وشبهه. ومنها: النهى والنفى كقوله تعالى: (ولا تسل عن أصحاب الجحيم) بالجزم على النهى) وَلاَ تُسْأَلُ) [البقرة: ١١٩] بالرفع على النفى، (ولا تشرك فى حكمه أحدًا) بالتاء والجزم على النهى) وَلاَ يُشْرِكُ) [الكهف: ٢٦] بالياء والرفع على النفى. ومنها: الأمر والإخبار كقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة: ١٢٥] بكسر الخاء على الأمر (واتخَذوا) بالفتح على الإخبار، و(قل سبحان الله) و(قل ربى يعلم) على الأمر، وقال على الخبر، وشبهه. ومنها: تغير الإعراب وحده كقوله تعالى: (وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم) [البقرة: ٢٤٠] بالنصب وبالرفع و) تِجَارَةً حَاضِرَةً) [البقرة: ٢٨٢] بالرفع والنصب،) وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦] بالنصب والجر، وما أشبهه. ومنها: تغيير الحركات اللوازم كقوله: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ) [آل عمران: ١٦٩] بكسر السين
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
وفتحها) وَمَن يَقْنَطُ) [الحجر: ٥٦]، و) يَقْنَطُونَ) [الروم: ٣٦] بكسر النون وفتحها، و) يَعْرِشُونَ) [الأعراف: ١٣٧] و) يَعْكُفُونَ) [الأعراف: ١٣٨] بكسر الراء والكاف وضمها و) الْوَلاَيَةُ) [الكهف: ٤٤] بكسر الواو وفتحها. ومنها: التحريك والتسكين كقوله: (خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) [البقرة: ١٦٨] بضم الطاء وإسكانها، و) عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ) [البقرة: ٢٣٦] بفتح الدال وإسكانها. ومنها: الاتباع وتركه كقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ) [البقرة: ١٧٤]، و) أَنِ اعْبُدُوا اللهَ) [المائدة: ١١٧]،) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ) [الأنعام: ١٠]، بالضم والكسر؛ فالضم لالتقاء الساكنين اتباعًا لضم ما بعدهن، وبالكسر للساكنين من غير اتباع، ومنها الصرف وتركه كقوله: (وَعَادٍ وَثَمُودَ) [التوبة: ٧٠]، و) أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ) [هود: ٦٨] بالتنوين وتركه. ومنها: اختلاف اللغات كقوله: (جِبْرِيلَ (بكسر الجيم من غير همز، وبفتحها كذلك، وجَبرئيَل بفتح الجيم والراء مع الهمز من غير مد، وبالهمز والمد. ومنها: التصرف فى اللغات نحو الإظهار والإدغام، والمد والقصر والإمالة، والفتح وبين بين والهمز وتخفيفه بالحذف والبدل وبين بين، والإسكان والروم والإشمام عند الوقف على أواخر الكلم، والسكون على الساكن قبل الهمزة وما أشبهه، وقد ورد التوقيف عن النبى (ﷺ) بهذا الضرب من
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
الاختلاف وأذن فيه لأمته بالأخبار الثابتة، وفيما روى أبو عبيد قال: حدثنا نعيم بن حماد حدثنا بقية بن الوليد، عن حصين بن مالك قال: سمعت شيخًا يكنى أبا محمد، عن حذيفة قال: قال رسول الله (ﷺ): (اقرءوا القرآن بلحن العرب وأصواتها) ولحونها وأصواتها: مذاهبها وطباعها. ووجه هذا الاختلاف فى القرآن أن رسول الله (ﷺ) كان يعرض القرآن على جبريل فى كل عام عرضة، فلما كان العام الذى توفى فيه عرضه عليه مرتين، فكان جبريل يأخذ عليه فى كل عرضة بوجه من هذه الوجوه والقراءات المختلفة، ولذلك قال (ﷺ): (إن القرآن أنزل عليها، وإنها كلها كاف شاف) وأباح لأمته القراءة بما شاءت منها مع الإيمان بجميعها؛ إذ كانت كلها من عند الله منزلة، ومنه (ﷺ) مأخوذة، ولم يلزم أمته حفظها كلها ولا القراءة بأجمعها؛ بل هى مخيرة فى القراءة بأى حرف شاءت منها كتخييرها إذا حنثت فى يمين أن تكفر إن شاءت بعتق أو بإطعام أو بكسوة، وكالمأمور فى الفدية بالصيام أو الصدقة أو النسك، ألا ترى أن النبى (ﷺ) صوب من قرأ ببعضها كما صوب قراءة هشام بن حكيم وقراءة عمر بن الخطاب حين تناكرا القراءة وأقر أنه كذلك قرئ عليه، وكذلك أنزل عليه. وأما على كم وجه يشتمل اختلاف هذه السبعة الأحرف؛ فإنه يشتمل على ثلاثة معان: أحدها: اختلاف اللفظ والمعنى واحد، نحو قوله تعالى: (الصِّرَاطَ) [الفاتحة: ٦] بالصاد والسين والزاى و) عليهم (و) إليهم (بضم الهاء مع إسكان الميم، وبكسر الهاء مع ضم الميم وإسكانها وشبه ذلك. والثانى: اختلاف اللفظ، والمعنى جميعًا مع جواز أن يجتمعا فى شىء واحد، لعدم تضاد اجتماعهما فيه، نحو قوله: (ملك يوم الدين) بغير الألف، و) مالك (بالألف لأن المراد
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
بهاتين القراءتين هو الله سبحانه، وذلك أنه مالك يوم الدين وملكه، فقد اجتمع له الوصفان جميعًا فأخبر بذلك فى القراءتين ونحو ذلك: (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [البقرة: ١٠]، بتخفيف الذال وتشديدها؛ لأن المراد بهاتين القراءتين جميعًا هم المنافقون، وذلك أنهم كانوا يكذبِون فى أخبارهم ويكذبون النبي (ﷺ) . والثالث: اختلاف اللفظ والمعنى جميعًا مع امتناع جواز اجتماعهما فى شىء واحد كقوله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) [يوسف: ١١٠] بالتشديد؛ لأن المعنى: وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيما أخبروهم به من أنه إن لم يؤمنوا بهم نزل العذاب بهم، فالظن فى القراءة الأولى يقين والضمير الأول للرسل، والثانى للمرسل إليهم، والظن فى القراءة الثانية شك، والضمير الأول للمرسل إليهم والثانى للرسل، ويشبه ذلك من اختلاف القراءتين اللتين لا يصح أن تجتمعا فى شىء واحد لتضاد المعنى، وكل قراءة منهما بمنزلة آية قائمة بنفسها. وأما هذه السبعة الأحرف؛ فإنه لا يمكن القراءة بها فى ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية من رواية القراء، فإنما قرأ ببعضها لا بكلها؛ لأنا قد أوضحنا قبل أن المراد بالسبعة أحرف سبعة أوجه من اللغات كنحو اختلاف الإعراب والحركات والسكوت، والإظهار والإدغام، والمد والقصر وغير ذلك مما قدمناه. وإذا كان كذلك فمعلوم أنه من قرأ بوجه من هذه الأوجه، فإنه لا يمكنه أن يحرك الحرف ويسكنه فى حالة واحدة أو يقدمه ويؤخره، أو يظهره ويدغمه، أو يمده ويقصره، أو يفتحه ويمليه وشبه ذلك، غير أنا لا ندري أى هذه السبعة أحرف كان آخر العرض، وأن جميع هذه الأحرف قد ظهر واستفاض عن النبي (ﷺ) وضبطتها الأمة
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
على اختلافها عنه، وأن معنى إضافة كل حرف إلى من أضيف إليه كأُبى وزيد وغيرهم من قبل أنه كان أضبط له وأكثر قراءة وأقرأ به، وكذلك إضافة القراءات إلى أئمة القراء بالأمصار، على معنى أن ذلك الإمام اختار القراءة بذلك الحرف، وآثره على غيره، ولزمه وأخذ عنه فلذلك أضيف إليه، وهذه إضافة اختيار لا إضافة اختراع. قال أبو جعفر الداودى: والسبع المقارئ التى يتعلمها الناس اليوم ليس كل حرف منها هو أحد السبعة التى أنزلت على رسول الله (ﷺ)، قد يكون فى حرف من هذه شىء من إحدى أولئك السبع، وشىء من الأخرى. وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة: وهذه السبع القراءات التى بأيدى الناس إنما تفرعت من حرف واحد من السبعة التى فى الحديث وهو الحرف الذى جمع عليه عثمان المصحف ذكر ذلك ابن النحاس وغيره.