/ ٧٤ - فيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبِىُّ (ﷺ): (مَثَلُ الَّذِى يَذْكُرُ رَبَّهُ، وَالَّذِى لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الْحَىِّ وَالْمَيِّتِ) . / ٧٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيّ - ﵇ -: (إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِى الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى
[ ١٠ / ١٣٤ ]
حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِى؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لا، وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قَالَ: يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا، وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ: قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا، وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّى قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ فِيهِمْ: فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) . قال المؤلف: هذا حديث شريف فى فضل ذكر الله، ﷿، وتسبيحه وتهليله، وقد وردت فى ذلك أخبار كثيرة منها ما روى زيد بن أسلم: سمعت عبد الله بن عمر قال: قلت لأبى ذرّ: يا عمّ، أوصنى. قال: سألت رسول الله كما سألتنى، فقال: (ما من يوم وليلة إلا ولله فيه صدقة يمنّ بها على من يشاء من عباده، وما مَنّ الله على عباده بمثل أن يلهمهم ذكره) . وروى شعبة وسفيان عن أبى إسحاق عن أبى مسلم الأغر أنه شهد على أبى هريرة وأبى سعيد، أنهما شهدا على رسول الله (ﷺ) أنه قال:
[ ١٠ / ١٣٥ ]
(ما من قوم يذكرون الله إلا حفّت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) . وقال معاذ: ليس شىء أنجى من عذاب الله من ذكر الله. وقال ابن عباس، يرفع الحديث: (من عجز منكم عن الليل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدو أن يجاهده، فليكثر من ذكر الله) . وروى أبو سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله (ﷺ): (سيروا، سبق المستهترون. قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذين أُهتروا واستهتروا بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، ويأتون يوم القيامة خفافًا) . وروى أبو هريرة عن النبى (ﷺ) قال: (ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة) . وعن جابر قال: قال رسول الله (ﷺ): (ارتعوا فى رياض الجنة. قالوا: يا رسول الله، وما رياضُ الجنّة؟ قال: مجالس الذكر، واغدوا وروحوا فى ذكر الله، واذكروهُ فى أنفسكم، من أحبّ أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله من نفسه) . وروى الأعمش عن سالم بن أبى الجعد قال: قيل لأبى الدرداء: إن رجلًا أعتق مائة نسمةً قال: إن ذلك من مال رجل لكثير، وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار، ولا يزال لسان أحدكم رطبًا من ذكر الله.
[ ١٠ / ١٣٦ ]
وعن ابن عباس قال: (سأل موسى صلوات الله عليه ربه تعالى فقال: ربّ، أى عبادك أحبّ إليك؟ قال: الذى يذكرنى ولا ينسانى) . ثم قال ابن عباس: ما جلس قوم فى بيت من بيوت الله، يذكرون الله، إلا كانوا أضيافًا لله ﷿ ما داموا فيه حتى يتصدعوا عنه، وأظلتهم الملائكة بأجنحتها ما داموا فيه. ذكر هذه الآثار كلها الطبرى فى آداب النفوس، قال المؤلف: وفقه هذا الباب أنّ معنى أمر الله تعالى العبد بذكره وترغيبه فيه؛ ليكون ذلك سببًا لمغفرته تعالى له ورحمته إياه، لقوله تعالى: (فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: ١٥٢] وذكر الله للعبد رحمه له، قال ثابت البنانى: قال أبو عثمان النهدى: إنى لأعلم الساعة التى يذكرنا الله تعالى فيها. قيل: ومن أين تعلمتها؟ قال: يقول الله: (فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: ١٥٢] . وقال السدى: ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله، لا يذكره مؤمن إلا ذكره الله برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره الله بعذاب. وروى معناه عن ابن عباس وقيل: المعنى: اذكروا نعمتى عليكم شكرًا لها، أذكركم برحمتى والزيادة من النعم. وروى عن عمر بن الخطاب: إن الذكر ذكران: أحدهما: ذكر الله عند أوامره ونواهيه، والثانى: ذكر الله باللسان، وكلاهما فيه الأجر، إلا أن ذكر الله تعالى عند أوامره ونواهيه إذا فعل الذاكر ما أمر به، وانتهى عما نُهى عنه؛ أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه، والفضل كله والشرف والأجر فى اجتماعهما من الإنسان، وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره ونهيه فينتهى، ولا ينساه من ذكره بلسانه، وسأذكر فى كتاب الرقاق فى باب من همّ بحسنة أو سيئة،
[ ١٠ / ١٣٧ ]
هل يكتب الحفظة الذكر بالقلب؟ وما للسلف فى ذلك إن شاء الله تعالى. وذكر البخارى فى كتاب الاعتصام فى باب قوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: ٢٨] حديث أبى هريرة عن النبى (ﷺ) قال: (إذا ذكرنى عبدى فى نفسه ذكرته فى نفسى، وإذا ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم. . .) الحديث. قال الطبرى: ومن جسيم ما يُرجى به للعبد الوصول إلى رضا ربه ذكره إياه بقلبه، فإن ذلك من شريف أعماله عنده؛ لحديث أبى هريرة. فإن قيل: فهل من أحوال العبد حال يجب عليه فيها ذكر الله فرضًا بقلبه؟ قيل: نعم هى أحوال أداء فرائضه، من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وسائر الفرائض، فإن على كل من لزمه عمل شىء من ذلك أن يكون عند دخوله فى كل ما كان من ذلك له تطاول بابتداء بأوّل وانقضاء بآخر أن يتوجّه إلى الله تعالى بعمله، ويذكره فى حال ابتدائه فيه، وما لم يكن له تطاول منه، فعليه توجهه إلى الله بقلبه فى حال عمله وذكره، ما كان مشتغلًا به، وما كان نفلًا وتطوعًا فإنه وإن لم يكن فرضًا عليه فلا ينتفع به عامله إن لم يرد به وجه الله، ولا ذكره عند ابتدائه فيه.