/ ٧٦ - فيه: أَبُو مُوسَى، أَخَذَ النَّبِىُّ (ﷺ) فِى عَقَبَةٍ، أَوْ قَالَ: فِى ثَنِيَّةٍ، قَالَ: فَلَمَّا عَلا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادَى، فَرَفَعَ صَوْتَهُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: وَالنَّبِىّ (ﷺ) عَلَى بَغْلَتِهِ، فَقَالَ: (فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ يَا عَبْدَاللَّهِ، أَلا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: يَلَى قَالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) .
[ ١٠ / ١٣٨ ]
قال الطبري: إن قال قائل: أى أنواع الذكر أفضل؛ فإن ذلك أنواع كثيرة، منها التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير؟ قيل: أعلى ذلك وأشرفه الكلمة التى لا يصح لأحدٍ عمل إلا بها، ولا إيمان إلا بالإقرار بها، وذلك التهليل، وهو لا إله إلا الله، على ما تقدّم فى حديث جابر فى باب فضل التهليل، روى أبو هريرة عن رسول الله (ﷺ): (الإيمان بضع وستون خصلة، أكبرها شهادة أن لا إله إلا الله وأصغرها إماطة الأذى عن الطريق) . وقال (ﷺ): (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله) . فإن قيل: ما معنى قول النبى (ﷺ) للذى رفع صوته بلا إله إلا الله، ألا أدلك على كنز الجنة فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله تغنى عن غيرها، وهى المنجية من النار؟ فالجواب: أن النبى (ﷺ) كان معلمًا لأمته، وكان لا يراهم على حالة من الخير، إلا أحبّ لهم الزيادة عليها فأحب للذى رفع صوته بكلمة الإخلاص والتوحيد أن يردفها بالتبرؤ من الحول والقوة لله تعالى وإلقاء القدرة إليه، فيكون قد جمع مع التوحيد الإيمان بالقدر. وقد جاء نحو هذا المعنى فى حديث عبد الله بن باباه المكى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، فهى كلمة الإخلاص التى لا يقبل الله من أحدٍ عملًا حتى يقولها، فإذا قال: الحمد لله، فهى كلمة الشكر التى لم يشكر الله أحد حتى يقولها، فإذا قال: الله أكبر فهى كلمة تملأ ما بين السماء والأرض، فإذا قال: سبحان الله فهى صلاة الخلائق التي لم يدع الله
[ ١٠ / ١٣٩ ]
أحدًا حتى قرره بالصلاة والتسبيح، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: استسلم عبدى. وروى عن سالم بن عبد الله، عن أبى أيوب الأنصارى: (أن النبى (ﷺ) ليلة أسرى به مَرّ على إبراهيم خليل الله، فقال له: مُر أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة. قال له النبى (ﷺ): وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله) . ومن حديث جابر عن النبى (ﷺ) قال: (أكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها تدفع تسعًا وتسعين داءً أدناها الهم) . وقال مكحول: من قالها كشف عنه سبعون بابًا من الضر، أدناها الفقر. ومعنى لا حول ولا قوة إلا بالله: لا حول عن معاصى الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بالله، قال النبى (ﷺ): (كذلك أخبرنى جبريل عن الله تعالى) . وروى عن علىّ بن أبى طالب تفسير آخر قال تفسيرها: إنا لا نملك مع الله شيئًا، ولا نملك من دونه شيئًا، ولا نملك إلا ما ملكنا مما هو أملك به منا. وحكى أهل اللغة أن معنى لا حول: لا حيلة، يقال: ما للرجل حيلة ولا قوة ولا احتيال ولا محتال ولا محالة ولا محال، وقوله: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) [الرعد: ١٣]، يعنى المكر والقوة والشدّة.