/ ١٢ - فيه: عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ، أَنَّ النَّبِىّ (ﷺ) بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، يَأْتِى بِجِزْيَتِهَا، فَقَدِمَ بِالْمَالٍ، فَسَمِعَتِ الأنْصَارُ بِقُدُومِهِ، فَوَافَتْهُ صَلاةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِىّ (ﷺ)، فَلَمَّا انْصَرَفَ، تَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ فَقَالَ: (أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ أَبِى عُبَيْدَةَ)؟ قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: (فَأَبْشِرُوا، وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ) . / ١٣ - وفيه: عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، خَرَجَ النَّبِيّ - ﵇ - يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ. . . الحديث، ثُمَّ قَالَ: (وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا) .
[ ١٠ / ١٥٤ ]
/ ١٤ - وفيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ النَّبِىّ (ﷺ): (إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأرْضِ)، قِيلَ: وَمَا بَرَكَاتُ الأرْضِ يَا رسُول اللَّه؟ قَالَ: (زَهْرَةُ الدُّنْيَا. . .)، الحديث على ما جاء فى كتاب الزكاة، فى باب الصدقة على اليتامى. / ١٥ - وفيه: عِمْرَان، قَالَ النَّبِىّ (ﷺ): (خَيْر القرون قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ، قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) . / ١٦ - وفيه: خَبَّاب، قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (ﷺ) مَضَوْا، وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا بِشَىْءٍ، وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا لا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلا التُّرَابَ. قال المؤلف: هذه الأحاديث تنبيه فى أن زهرة الدنيا ينبغى أن يخشى سوء عاقبتها وشر فتنتها من فتح الله عليه الدنيا، ويحذر التنافس فيها والطمأنينة إلى زخرفها الفانى؛ لأن النبى (ﷺ) خشى ذلك على أمته، وحذرهم منه لعلمه أن الفتنة مقرونة بالغنى، ودَلّ حديث عمران بن حصين أن فتنة الدنيا لمن يأتى بعد القرن الثالث أشدّ لقوله (ﷺ): (ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون) إلى قوله (ويظهر فيهم السمن) . فجعل (ﷺ) ظهور السمن فيهم وشهادتهم بالباطل، وخيانتهم الأمانة، وتنافسهم فى الدنيا وأخذهم لها من غير وجهها كما، قال (ﷺ) فى حديث أبى سعيد: (ومن أخذه بغير حقه فهو كالذى يأكل ولا يشبع) . وكذلك خشى عمر بن الخطاب فتنة المال، فروى عنه أنه لما أتى بأموال كسرى بات هو وأكابر الصحابة عليه فى المسجد، فلما أصبح وأصابته الشمس التمعت تلك التيجان فبكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ليس هذا حينُ بكاء، إنما هو حِينُ شكر. فقال عمر: إني
[ ١٠ / ١٥٥ ]
أقول: ما فتح الله هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم وقال: اللهم منعت هذا رسولك إكرامًا منك له، وفتحته علىّ لتبتلينى به، اللهم اعصمنى من فتنته. فهذا كله يدل أن الغنى بلية وفتنة، ولذلك استعاذ النبى (ﷺ) من شر فتنته، وقد أخبر الله تعالى بهذا المعنى فقال لرسوله: (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [طه: ١٣١]، وقال تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ) [التغابن: ١٥]، ولهذا آثر أكثر سلف الأمة التقلل من الدنيا وأخذ البلغة؛ إذ التعرض للفتن غرر. وقوله (ﷺ) فى حديث أبى سعيد: (وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطًا أو يلم) فهو أبلغ الكلام فى تحذير الدنيا والركون إلى غضارتها، وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع فيكثر أكلها فربما تفتقت سمنًا فهلكت، فضرب النبى (ﷺ) هذا المثل للمؤمن أن لا يأخذ من الدنيا إلا قدر حاجته، ولا يروقه زهرتها فتهلكه. وقال الأصمعى: والحبط: هو أن تأكل الدابة فتكثر، حتى تنتفخ بذلك بطنها وتمرض عنه. وقوله: (أو يلمُ) يعني يُدنى من الموت، وقد تقدم الكلام فى هذا الحديث فى باب الصدقة على اليتامى فى كتاب الزكاة.
وأمّا قول خباب: (إن أصحاب محمد مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئًا) . فإنه لم يكن فى عهد النبي - ﵇ - من الفتوحات والأموال ما كان بعده، فكان أكثر الصحابة ليس لهم إلا القوت، ولم ينالوا من طيبات العيش ما يخافون أن ينقصهم ذلك من طيبات الآخرة،
[ ١٠ / ١٥٦ ]
ألا ترى قول عمر بن الخطاب حين اشترى لحمًا بدرهم: أين تذهب هذه الآية: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا) [الأحقاف: ٢٠]، فدل أن التنعم فى الدنيا والاستمتاع بطيباتها تنقص كثيرًا من طيبات الآخرة. وقوله: (إنا أصبنا من الدنيا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب) . قال أبو ذر: يعنى البنيان، ويدل على صحّة هذا التأويل أن خبّابًا قال هذا القول وهو يبنى حائطًا له، وقد تقدم فى كتاب المرضى فى باب تمنى المريض الموت، فتأمله هناك فهو بين فى حديث خباب.