اخْتَرْتُ هَذَا المَوْضُوعَ لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ أُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي:
* أَوَّلًا: الحُبُّ لِعِلْمِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ عُمُومًا، وَالرَّغْبَةُ فِي خِدْمَةِ كُلِّ مَا لَهُ عَلَاقَةٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجَاءَ الإِنْدِرَاجِ فِي سِلْكِ أَهْلِهَا، وَالْعَادَةُ الْمُتَقَرِّرَةُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ شَرَفَ العُلُومِ بِشَرَفِ مَعْلُومِهَا، وَفَضْلَهَا بِتَفَاضُلٍ مُتَعَلَّقِهَا.
* ثَانِيًا: أَهَمَّيَةُ الْمَوْضُوعِ بِلَا نِزَاعٍ، فَهَذَانِ عَلَمَانِ مُبَرِّزَانِ، وَفَارِسَانِ مِنْ فُرْسَانِ العِلْمِ:
أَحَدُهُمَا: صَاحِبُ الأَصْلِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينِ فِي الحَدِيثِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ ﵀، وَكِتَابُهُ الجَامِعُ الصَّحِيحِ "أَجَلُّ الكُتُبِ الصَّحِيحَةِ نَقْلًا وَرِوَايَةً، وَفَهْمَا وَدِرَايَةً، وَأَكْثَرُهَا تَعْدِيلًا وَتَصْحِيحًا، وَضَبْطًا وَتَنْقِيحًا، وَاسْتِنْبَاطًا وَاحْتِيَاطًا، وَفِي الجُمْلَةِ هُوَ أَصَحُّ الكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ فِيهِ عَلَى الإِطْلَاقِ، والْمُقْبَلُ عَلَيْهِ بِالقَبُولِ مِنْ أَئِمَّةِ الْآفَاقِ، وَقَدْ فَاقَ أَمْثَالَهُ فِي جَمِيعِ الفُنُونِ وَالْأَقْسَامِ، وَخُصَّ بِالْمَزَايَا مِنْ بَيْنِ دَوَاوِينِ الإِسْلَامِ، تَشْهَدُ لَهُ بِالْبَرَاعَةِ وَالتَّقَدُّمِ الصَّنَادِيدُ العِظَامُ، وَالأَفَاضِلُ الكِرَامُ" (^١).
وَثَانِيهِمَا: صَاحِبُ الشَّرْحِ شَيْخُ الإِسْلَامِ قِوَامُ السُّنَّةِ أَبُو القَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ
_________________
(١) مِنْ مُقَدِّمَة العَلَّامَةِ الكِرْمَانِي في الكَواكِب الدَّراري (١/ ٣).
[ ١ / ١٣ ]
التَّيْمِيُّ ﵀، وَهُمَا مِمَّنْ لَا يُنَازَعُ فِي إِمَامَتِهِمَا فِي العِلْمِ، وَعُلُوِّ كَعْبِهِمَا فِيهِ.
وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الحَدِيثَ عَنْ قِيمَةِ أَيِّ كِتَابٍ إِنَّمَا تَنْبُعُ مِنْ أَهَمَّيَتِهِ وَشَرَفِ مُتَعَلَّقِهِ وَمَوْضُوعِهِ؛ وَمَوْضُوعُ كِتَابِنَا فِقْهُ الحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ، وَهِيَ المَصْدَرُ الثَّانِي لِلتَّشْرِيعِ الإِسْلَامِيِّ.
* ثَالِثًا: قِيمَةُ هَذَا العِلْقِ النَّفِيسِ العِلْمِيَّةُ، إِذْ يَحْتَلُّ مَكَانَةً مَرْمُوقَةً بَيْنَ شُرُوحٍ الجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ، مِمَّا حَذَا بِالعَدِيدِ مِنَ الشُّرَّاح بَعْدَهُ إِلَى الإِفَادَةِ مِنْهُ: يَنْقُلُونَ عَنْهُ نُخَبَ فَوَائِدِهِ، وَيَقْتَبِسُونَ مِنْهُ نُكَتَ فَرَائِدِهِ، كَالْإِمَامِ الكِرْمَانِيِّ، وَالعَلَّامَةِ شَمْسِ الدِّينِ البِرْمَاوِيِّ الشَّافِعِيِّ، وَالحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيِّ، وَالحَافِظِ بَدْرِ الدِّينِ العَيْنِيِّ، وَالحَافِظِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيَّ وَغَيْرِهِمْ ﵀، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانِ ذَلِكَ عِنْدَ الكَلَامِ عَنْ أَهَمَّيَةِ هَذَا الكِتَابِ.
وَمِمَّا يَزِيدُهُ أَهَمِّيَّةً:
١ - اشْتِمَالُهُ عَلَى عَدَدٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي سَاقَهَا الْإِمَامُ التَّيْمِيُّ ﵀ بِسَنَدِهِ عَنْ شُيُوخِهِ فِي العِلْمِ وَالرِّوَايَةِ.
٢ - حِفْظُهُ لِنُصُوصِ بَعْضِ الكُتُبِ الَّتِي تُعَدُّ فِي حَيِّزِ المَفْقُودِ؛ مِنْهَا مُؤَلَّفَاتٌ في الحَدِيثِ مِثْلَ "كِتَابِ الجَنَائِزِ" لابْنِ أَبِي عَاصِمٍ، وَ"كِتَابِ الجِنَائِزِ" لِأَبِي الشَّيْخِ الأَصْبَهَانِيِّ، وَ"كِتَابِ الجَنَائِزِ" لِأَبِي مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيِّ، وَنَقَلَ ﵀ عَنْ صَحِيح ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي الجُزْءِ المَفْقُودِ مِنْهُ، وَاقْتَبَسَ مِنْ مُصَنَّفِهِ الَّذِي أَفْرَدَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُزَارَعَةِ، وَنَقَلَ عَنْ مُصَنَّفَاتٍ أُخْرَى عُتُقٍ فِي الفِقْهِ كَكِتَابِ "الْمَنَاسِكِ الكَبِيرِ" لِلْإِمَامِ
[ ١ / ١٤ ]
الْمُطَّلِبِيِّ الشَّافِعِيِّ، وَكِتَابِ "الإِمْلَاءِ" لَهُ أَيْضًا ﵀، وَهَذِهِ مِيزَةٌ كَبِيرَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا هَذَا السَّفْرُ الْمُبَارَكُ.
٣ - نَقْلُهُ الكَثِيرَ مِنْ مَذَاهِبِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَالْأَئِمَّةِ المَتْبُوعِينَ، وَعَرْضُهُ آرَاءَهُمْ وَحُجَجَهُمْ بِعَدْلٍ وَإِنْصَافٍ، وَنَقْدُهَا بَعِيدًا عَنِ التَّعَصُّبِ وَالاعْتِسَافِ.
* رَابِعًا ضَرُورَةُ تَحْقِيقِ هَذَا الكِتَابِ تَحْقِيقًا عِلْمِيًّا يَرْتَكِزُ عَلَى مُقَوِّمَاتِ التَّحْقِيقِ وَالتَّوْثِيقِ العِلْمِيِّ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَهَمِّيَّتِهِ وَمَكَانَةِ مُؤَلِّفِهِ ﵀، وَالتَّسْوِيفُ فِي إِخْرَاجِهِ، وَإِغْفَالُ تَحْقِيقِهِ مُؤْذِنٌ بِضَيَاعِهِ وَتَلَفِهِ، خُصُوصًا وَأَنَّ لِلْكِتَابِ نُسْخَةً وَحِيدَةً فِيمَا أَعْلَمُ.
* خَامِسًا: أَهَمِّيَّةُ جَمْعِ آرَاءِ هَذَا الإِمَامِ العَلَمِ، وَالحَاجَةُ إِلَى إِظْهَارِ جُهُودِهِ فِي الحَدِيثِ وَعُلُومِهِ، وَإِخْرَاجِهَا إِلَى حَيِّزِ الوُجُودِ، وَفَاءً بِبَعْضِ الدَّيْنِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عُلَمَاؤُنَا مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَالأَئِمَّةِ المَاضِينَ، الَّذِينَ شَرَّفَهُمُ اللهُ بِخِدْمَةِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، ووَقَدْ شَاعَ بَيْنَ أَهْل العِلْمِ قَوْلُهُمْ: "مَنْ وَرَّخَ مُؤْمِنًا فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهُ، وَمَنْ قَرَأَ تَارِيخَهُ فَكَأَنَّمَا زَارَهُ" (^١)، لَاسِيَمَا وَأَنَّ قِوَامَ السُّنَّةِ التَّيْمِيَّ ﵀ خَلَّفَ مَكْتَبَةً زَاخِرَةً فِي شَتَّى العُلُومِ وَمُخْتَلَفِ الفُنُونِ، وَلَمْ يُطْبَعْ مِنْهَا إِلَّا النَّزْرُ اليَسِيرُ.
وَلَمْ يَتَعَرَّض أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ لإِبْرَازِ جُهُودِ هَذَا الإِمَامِ العِلْمِيَّةِ، وَغَالِبُ
_________________
(١) الإعلانُ بالتَّوبيخِ لمنْ ذَمَّ أَهْل التَّوريخ للسخاوي (ص: ٥١)، وهذه هي التَّسميَةُ الصَّحِيحَة للكتاب كما في مقدمته (ص: ١٦)، وينظر ما كَتَبه العَلامة عبدُ الفَتَّاح أبو غُدَّةَ فِي "أَرْبع رَسَائِل في عُلُوم الحَدِيث" (ص: ١٤).
[ ١ / ١٥ ]
الْمُشْتَغِلِينَ بِالعِلْم يُرَكِّزُونَ عَلَى عَرْضِ جُهُودِهِ فِي خِدْمَةِ العَقِيدَةِ الَّتِي بَرَزَ فِيهَا نَجْمُهُ (^١)، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُجَلِّيَ عَنْ بَعْضٍ جُهُودِهِ ﵀ فِي مَجَالَاتٍ أُخْرَى فِي العِلْمِ كَالحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَنَحْوِهَا.
لِهَذِهِ الأَسْبَابِ وَغَيْرِهَا تَقَدَّمْتُ إِلَى كُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ بِفَاسٍ حَرَسَهَا اللهُ، بِمَوضُوعِ أُطْرُوحَتِي لِنَيْلِ دَرَجَةِ الدُّكْتُورَاهُ: شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، تَأْلِيفُ قِوَامٍ السُّنَّةِ أَبِي القَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ (ت: ٥٣٥ هـ)، دِرَاسَةٌ وَتَحْقِيقٌ.
_________________
(١) ومن ذلك رسالة قدَّمها الطالب: خالد بن محمد بن مُبارك الأحمدي بعنوان: "جُهُودُ الإمام الحَافظِ أبي القَاسم الأَصبهاني في تَقْرِير العَقِيدَة والرَّدِّ على المُخَالفين" لنيل الماجستير من كُلِّيَّة الدَّعْوَة وَأُصول الدِّين بجامِعة أُمِّ القُرى بمكَّة المكَّرمة، سنة: ١٤٢٧/ ١٤٢٦ هـ، بإشراف الدكتور: سعد بن علي الشَّهراني.
[ ١ / ١٦ ]