لَمْ تَذْكُرْ كُتُبُ طَبَقَاتِ القُرَاءِ تَرْجَمَةً لإِمَامِنَا التَّيْمِيِّ ﵀، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِالقِرَاءَاتِ القُرْآنِيَّةِ، أَوْ جَهْلُهُ بِهَا، فَلَمْ يَشْتَرِطْ أَصْحَابُهَا اسْتِيعَابَ كُلِّ القُرّاءِ فِي جَمِيعِ الأَعْصَارِ وَسَائِرِ الأَمْصَارِ.
وَإِمَامُنَا التَّيْمِيِّ مَعْدُودٌ فِيمَنِ اعْتَنَى بِهَذَا الْعِلْمِ، وَيَكْفِي فِي تَأْكِيدِ هَذَا شَهَادَةُ تِلْمِيذِهِ الحَافِظِ أَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ الأَصْبَهَانِيُّ (ت: ٥٨١ هـ) ﵀ فِي الجُزْءِ الَّذِي خَصَّصَهُ لِتَرْجَمَةِ شَيْخِهِ قِوام السُّنَّةِ التَّيْمِيِّ ﵀ إِذْ يَقُولُ: "وَقَدْ قَرَأَ عِدَّةَ خَتَمَاتٍ بِقِرَاءَاتٍ عَلَى جَمَاعَاتٍ" (^١).
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ثَنَاءِ العُلَمَاءِ عَلَى الإِمَامِ التَّيْمِيِّ وَصْفُهُ بِالمَعْرِفَةِ بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ وَالإِمَامَةِ فِيهِ، كَيْفَ وَقَدْ أَلَّفَ ﵀ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ خَمْسَ مُصَنَّفَاتٍ (^٢).
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ بِالْمَعْرِفَةِ بِعِلْم التَّفْسِيرِ وَالرِّيَاسَةِ فِيهِ إِلَّا مَنْ ضَرَبَ بِسَهْمٍ وَافِرٍ مِنْ عِلْمِ القِرَاءَاتِ، ذَلِكَ أَنَّ فِي تَنَوُّعِهَا زِيَادَةَ مَعَانٍ لِآيِ القُرْآنِ الكَرِيمِ.
وَلَمْ يَزَلِ العُلَمَاءُ الْمُجْتَهِدُونَ، وَالْمُفَسِّرُونَ الْمُبَرَّزُونَ يَعْتَمِدُونَ عِلْمَ القِرَاءَاتِ فِي اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا يَقُولُ القَسْطَلَانِيُّ ﵀: (وَلَمْ تَزَلِ العُلَمَاءُ تَسْتَنْبِطُ
_________________
(١) تاريخ الإسلام للذهبي (١١/ ٦٢٦).
(٢) ينظر ما سيأتي عند ذكر مُؤَلَّفَاتِ التَّيْمِيّ ﵀.
[ ١ / ١١٨ ]
مِنْ كُلِّ حَرْفٍ يَقْرَأُ بِهِ قَارِئُ مَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي قِرَاءَةِ الْآخَرِ، فَالقِرَاءَاتُ حُجَّةُ الفُقَهَاءِ فِي الاسْتِنْبَاطِ، وَمَحَجَّتُهُمْ فِي الاهْتِدَاءِ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ" (^١).
وَلَمْ يَقْتَصِرُ ﵀ عَلَى مُجَرَّدِ عَزْوِ قِرَاءَاتِ القُرّاءِ، وَتَمْيِيزِ الْفَرْشِ، بَلْ تَعَدَّاهُ إِلَى عِلْمِ التَّوْجِيهِ، مِمَّا يَقْطَعُ بِضُلُوعِهِ فِي هَذَا العِلْمٍ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ.
وَبَعْدَ اطِّلَاعِي عَلَى الجُزْءِ الْمُحَقَّقِ مِنْ كِتَابِ الإِيضَاحِ فِي التَّفْسِيرِ لإِمَامِنَا التَّيْمِيِّ ﵀ أَلْفَيْتُ الخُبْرَ قَدْ صَدَّقَ الخَبَرَ، وَسَأَدَلَّلُ لِهَذَا بِذِكْرِ أَمْثَلَةٍ شَاهِدَةٍ عَلَى مَا ذَكَرْتُ.