قَالَ ﵀: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (^٢» (^٣).
قَالَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ: هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ اللهُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ فَقَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (^٤)، فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلْإِيمَانِ الْفِطْرِيِّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ الْمُكْتَسَبُ بِالإِرَادَةِ وَالفِعْلِ، لِأَنَّهُ مَعَ وُجُودِ الإِيمَانِ الفِطْرِيِّ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ أَبَوَيْهِ الكَافِرَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى فِطْرَتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا مِنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَعَلَى مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ قَدَرِ اللهِ، وَتَقَدَّمَ مِنْ مَشِيئَتِهِ فِيهِ مِنْ كُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ، فَكُلٌّ صَائِرٌ فِي العَاقِبَةِ إِلَى مَا فُطِرَ عَلَيْهِ وَخُلِقَ لَهُ، وَعَامِلٌ فِي الدُّنْيَا بِالعَمَلِ الْمُشَاكِلِ لِفِطْرَتِهِ فِي السَّعَادَةِ أَوِ الشَّقَاءِ.
فَمِنْ أَمَارَاتِ الشَّقَاوَةِ لِلطِّفْلِ أَنْ يُولَدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ يَهُودِيَّيْنِ أَوْ نَصْرَانِيَّيْنِ،
_________________
(١) التحرير في شرح صحيح مسلم (ص: ٦٠٧ - ٦٠٨).
(٢) سورة: الروم، الآية: (٣٠).
(٣) حديث (رقم: ١٣٥٩).
(٤) سورة: الأعراف، الآية (١٧٢).
[ ١ / ١٨٠ ]
فَيَحْمِلَاهُ عَلَى اعْتِقَادِ دِينِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَيُعلِّمَاهُ اليَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ، فَيَصِفَ الدِّينَ، فَهُوَ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ وَالِدَيْهِ، إِذْ هُوَ فِي حُكْم الشَّرِيعَةِ تَبَعٌ لِوَالِدَيْهِ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ)، وَيَشْهَدُ لِهَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (طُوبَى لَهُ لَمْ يَعْمَلْ شَرًّا وَلَمْ يَدْرِ بِهِ)، وَحَدِيثُ أُبَيٍّ بن كَعْبٍ ﵁ (^١) فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ (^٢)، قِيلَ: كَانَ طُبعَ كَافِرًا" (^٣).
وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: "وَحَدِيثُ: (مَا مِن مَولُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ)، احْتَجَّ أَهْلُ القَدَرِ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَبِحَدِيثِ عِيَاضٍ بن حِمَارٍ: (إِنِّي خَلَقتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُم)، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (^٤).
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بنَ الحَسَنِ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الفَرَائِصُ، وَقَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالجِهَادِ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، مَا وَرِثَهُمَا وَلَا وَرِثَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهُمَا كَافِرَانِ، وَمَا كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُسْبَى، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ، وَحُدَّتِ السُّنَنُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى دِينِهِمَا.
وَأَمَّا عبدُ اللهِ بنُ الْمُبَارَكِ فَقَالَ: تَأْوِيلُهُ الحَدِيثُ الْآخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)، يَذْهَبُ أَنَّهُم إِنَّمَا يُولَدُونَ عَلَى مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنْ إِسْلامِ أَوْ كُفْرٍ، فَمَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللهِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا،
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم: ٢٦٦١).
(٢) سورة الكهف، الآية: (٨٠).
(٣) (٣/ ٢٨٣ - ٢٨٤) من قسم التحقيق.
(٤) برقم (٢٨٦٥).
[ ١ / ١٨١ ]
فَإِنَّهُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَمَنْ كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يَمُوتُ كَافِرًا، وُلِدَ عَلَى الكُفْرِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ (^١) أَنَّ الْفِطْرَة هَاهُنَا؛ هِيَ الْفِطْرَةُ الغَرِيزِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ رَجَعَ إِلَى الْفِطْرَةِ الْغَرِيزِيَّةِ عَرَفَ خَالِقَهُ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (^٢)؛ وهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ هِيَ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى بِوُجُودِهَا مِنَ الكُفَّارِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (^٣)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^٤)؛ فَحِينَ ظَهَرَتْ لَهُمْ حَالُ الضَّرُورَةِ، وَانْقَطَعُوا عَنْ أَسْبَابِ الخَلْقِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ تَعَلُّقٌ بِأَحدٍ، ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْمَعْرِفَةُ الغَرِيزِيَّةُ، إِلَّا أَنَّهَا غَيْرُ نَافِعَةٍ، وَإِنَّمَا النَّافِعَةُ هِيَ الْمَعْرِفَةُ الكَسْبِيَّةُ، إِلا أَنَّ الله فَطَرَ النَّاسَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ الْغَرِيزِيَّةِ، وَطَلَبَ مِنْهُمُ الْمَعْرِفَةَ الْكَسْبِيَّةَ، وَعَلَّقَ الثَّوَابَ بِهَا وَالْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (خَلَقَتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ)، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَعْرِفَةِ الغَرِيزِيَّةِ الَّتِي هِيَ مُرَكَّبَةٌ فِيهِمْ" (^٥).
فَهَذَا مُعْتَقَدُ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ ﵀ فِي هَذَا الرُّكْنِ مِن أَرْكَانِ الإِيمَانِ، وَقَدْ وُفِّقَ فِيهَا ﵀ إِلَى الْتِزامِ مَا دَلَّتْ عَلَيهِ الأَدِلَّةُ مِن كِتابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَمَا
_________________
(١) نَقَل الإمامُ قِوام السُّنَّة هذا التوجيه - كما أفاده محقق التحرير - عن شيخه أبي المظفر السمعاني كما في كتابه الحجة (٢/ ٤١)، وذكره قبلهما الخطابي في أعلام الحديث (١/ ٧١٦)، ورَجَّحَهُ ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ١٠١).
(٢) سورة الروم، الآية (٣٠).
(٣) سورة الزمر، الآية (٣٨).
(٤) سورة العنكبوت، الآية (٦٥).
(٥) التحرير في شرح صحيح مسلم (ص: ٦٠٣ - ٦٠٤).
[ ١ / ١٨٢ ]
كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الأُمَّةِ مِن الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الأَئِمَّةِ الْمَرْضِيِّينَ.
* * *