لَا يَنْفَكُّ جَانِبُ العَمَلِ وَالتَّزْكِيَةِ عَنِ العِلْمِ فِي سِيَرِ أَسْلَافِنَا العُلَمَاءِ، بَلْ كَانَ لِحِرْصِهِمْ على صَلَاحٍ سَرَائِرِهِمْ، وَعِنَايَتِهِمْ بِتَبَتُّلِهِمْ وَإِخْلَاصِ أَعْمَالِهِمْ، وَاجْتِهَادِهِمْ فِي تَرْويض أَنْفُسِهِمْ عَلَى التَّحَلِّي بِالأَخْلَاقِ الفَاضِلَةِ العَلِيَّةِ، وَالتَّأَسِّي بِالآدَابِ المَرْعِيَّةِ السَّنِيَّةِ، وَتَجَافِيهِمْ عَنِ الظُّهُورِ وَالإِعْجَابِ بِالنَّفْسِ أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي حَيَاتِهِمُ العِلْمِيَّةِ، وَشَوَاهِدُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَأَكْبَرُ مِنْ أَنْ تُسْتَقْصَى.
وَقَدْ ضَرَبَ إِمَامُنَا الْمُصَنِّفُ قِوَامُ السُّنَّةِ أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيُّ ﵀ مِنْ ذَلِكَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، فَزِيَادَةً عَلَى إِمَامَتِهِ فِي العِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَاتِّسَاعِ الرِّوَايَةِ؛ عُرِفَ ﵀ بِتَعَبُّدِهِ وَوَرَعِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَقَدْ تَنَاقَلَ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ وَصْفَ حَالِهِ، وَحَمِدُوا سَرِيرَتَهُ، وَوَقَعَ فِي شَهَادَاتِهِمْ مَا يُجَلِّي ذَلِكَ، فَحَلَّوْهُ بِالأَخْلَاقِ الحَسَنَةِ، وَزَكَّوْهُ بِالصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ، مَعَ نُسُكٍ وَتَبَتُّلٍ وَحُسْنِ عِبَادَةٍ، فَكَانَ ﵀ مِمَّنْ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي الفَلَاح وَالرَّشَادِ (^١).
ونكتفي فِي هَذَا الْمَقَامِ بِشَهَادَةِ الإِمَامِ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ مَنْدَه (ت: ٥١١ هـ) ﵀ وَهُوَ مِمَّنْ تَتَلْمَذَ لِلتَّيْمِيِّ ﵀، وَقَدْ عَاصَرَهُ فَرَأَى مِنْهُ مَا يَجْعَلُهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالتَّقَدُّمِ
_________________
(١) سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ٨٥)، وتاريخ الإسلام له أيضًا (١١/ ٦٢٨).
[ ١ / ٢٢٤ ]
وَالرِّيَاسَةِ عَلَى سَائِرِ أَهْلِ زَمَانِهِ، فَقَالَ ﵀: "لَيْسَ فِي وَقْتِهِ مِثْلُهُ" (^١).
وَبَلَغَ مِنْ شَهَادَةِ أَهْلِ الفَضْلِ لَهُ أَنْ جَعَلُوهُ مِمَّنْ يُضْرَبُ بِهِمُ الْمَثَلُ فِي الصَّلَاحِ وَالزَّهَادَةِ، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا التَّعْبِيرُ عَلَى لِسَانِ الحَافِظِ السُّيُوطِيِّ، وَالإِمَامِ الكَتَّاني - رحمهما الله - (^٢).
أَمَّا شَوَاهِدُ عِبَادَتِهِ وَتَذَلُّلِهِ للهِ ﷿ فَكَثِيرَةٌ، حَكَاهَا مَنْ عَاشَرَهُ ﵀، وَشَارَكَهُ الرِّحْلَةَ، فَذَكَرُوا مِنْ ذَلِكَ حِرْصَهُ عَلَى النَّوَافِلِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَلَهَجَهُ بِالدُّعَاءِ، وَاشْتِغَالَهُ بِالذِّكْرِ، وَمُحَافَظَتَهُ عَلَى الطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ عُنْوَانٌ عَلَى كَمَالِ الإِيمَانِ.
وَهَا هُوَ ﵀ يُعَدِّدُ جُمْلَةً مِنَ الآدَابِ الْمَرْعِيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُ أَهْلَ السُّنَّةِ - الَّذِينَ حَقَّقُوا هَذِهِ الفَضَائِلَ فِقْهًا وَعِلْمًا، وَالْتَزَمُوا بِهَا هَدْيًا وَعَمَلًا؛ فَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا - عَلَى عَادَةِ كِبَارِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَخْتِمُونَ كُتُبَ الاعْتِقَادِ بِذِكْرِ الأَخْلَاقِ الحَسَنَةِ، وَالصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ الَّتِي يَتَّصِفُ بِهَا أَهْلُ الحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ، فَيَقُولُ ﵀: "وَمِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ التَّوَرُّعُ فِي الْمَآكِلِ وَالمَشَارِبِ وَالْمَنَاكِحِ، وَالتَّحَرُّزُ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالقَبَائِحِ، وَالتَّحْرِيضُ عَلَى التَّحَابِّ فِي اللهِ ﷿، وَاتِّقَاءُ الجِدَالِ وَالمُنَازَعَةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَمُجَانَبَةُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَالضَّلَالَةِ، وَهَجْرُهُمْ وَمُبَايَنَتُهُمْ، وَالْقِيَامُ بِوَفَاءِ العَهْدِ وَالأَمَانَةِ، وَالخُرُوجُ مِنَ المَظَالِمِ وَالتَّبِعَاتِ، وَغَضُّ الطَّرْفِ عَنِ الرَّيبَةِ وَالحُرُمَاتِ، وَمَنْعُ النَّفْس عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَتَرْكُ شَهَادَةِ الزُّورِ وَقَذْفِ المُحْصَنَاتِ، وَإِمْسَاكُ اللِّسَانِ عَنِ الغِيبَةِ وَالبُهْتَانِ، وَالفُضُولِ مِنَ الكَلَامِ، وَكَظْمُ الغَيْظِ، وَالصَّفْحُ
_________________
(١) تاريخ الإسلام للذهبي (١١/ ٦٢٥).
(٢) طبقات المفسرين للسيوطي (ص: ٤٦٤)، والرسالة المستطرفة للكتاني (ص: ٥٧).
[ ١ / ٢٢٥ ]
عَنْ زَلَلِ الإِخْوَانِ، وَالمُسَابَقَةُ إِلَى فِعْلِ الخَيْرَاتِ، وَالإِمْسَاكُ عَنِ الشُّبُهَاتِ، وَصِلَةُ الأَرْحَامِ، وَمُوَاسَاةُ الضُّعَفَاءِ، وَالنَّصِيحَةُ فِي اللهِ، وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللهِ، وَالتَّهَجُّدُ لِقِيَامِ اللَّيْلِ لَا سِيَمَا لِحَمَلَةِ القُرْآنِ، وَالبِدَارُ إِلَى أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ" (^١).
فَلَا عَجَبَ إِذَا أَنْ يَكُونَ التَّيْمِيُّ ﵀ عَلَى حَظٍّ كَبِيرٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي أَلَّفَ فِي الفَضَائِلِ كِتَابَهُ "التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ"، ضَمَّنَهُ جُمَلًا نَافِعَةً مِنَ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ فِي التَّرْغِيبِ فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالحَضِّ عَلَى الأَقْوَالِ الحَسَنَةِ وَالنِّيَاتِ الخَالِصَةِ، مَعَ مَا يُقَابِلُهَا مِنَ الأَخْبَارِ فِي التَّرْهِيبِ مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، وَالتَّنْفِيرِ مِنَ الأَقْوَالِ القَبِيحَةِ وَالمَقَاصِدِ الفَاسِدَةِ.
وَقَدْ نَقَلَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بن أَبِي الوَفَاءِ عَلِيٍّ الأَصْبَهَانِيِّ (ت: ٥٦٦ هـ) ﵀ قَالَ: "كُنَّا نَمْضِي مَعَ أَبِي القَاسِمِ إِلَى بَعْضِ الْمَشَاهِدِ، فَإِذَا اسْتَيْقَظْنَا مِنَ اللَّيْلِ، رَأَيْنَاهُ قَائِمًا يُصَلِّي" (^٢).
وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ ﵀: "بَلَغَنَا عَنْ أَبِي القَاسِمِ تَعَبُّدٌ وَأَوْرَادٌ وَتَهَجُّدٌ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: سَمِعْتُ مَنْ يَحْكِي عَنْهُ فِي اليَوْمِ الَّذِي قُدِّمَ بِوَلَدِهِ مَيِّتًا، وَجَلَسَ لِلتَّعْزِيَةِ أَنَّهُ جَدَّدَ الوُضُوءَ فِي ذَلِكَ اليَوْم مَرَّاتٍ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ، كُلُّ ذَلِكَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ" (^٣).
وَسَأَنْقُلُ نَصًّا عَنْهُ ﵀ فِي شَرْحِهِ لِلْجَامِعِ الصَّحِيح، يُجَلِّي قِمَّةَ أَدَبِهِ مَعَ رَبِّهِ، قَالَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ،
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٥٢٨).
(٢) سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ٨٨)، وتاريخ الإسلام له أيضًا (١١/ ٦٢٨).
(٣) سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ٨٣)، وتذكرة الحفاظ له أيضًا (٤/ ١٢٧٩ - ١٢٨٠).
[ ١ / ٢٢٦ ]
أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكَنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ): "وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إِكْرَامِ القِبْلَةِ وَتَنْزِيهِهَا؛ لِأَنَّ المُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُكْرِمَ القِبْلَةَ بِمَا يُكْرِمُ بِهِ الْمَخْلُوقِينَ إِذَا اسْتَقْبَلَهُمْ بِوَجْهِهِ، بَلْ قِبْلَةُ اللهِ ﷿ أَوْلَى بِالإِكْرَامِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الجَفَاءِ، وَسُوءِ الأَدَبِ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ، ثُمَّ يَتَنَخَّمَ وَهُوَ يُنَاجِيهِ!! وَقَدْ أَعْلَمَ اللهُ ﷿ بِإِقْبَالِهِ عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ" (^١).
وَإِلَى جَانِبِ العِبَادَةِ وَالصَّلَاحِ، كَانَ الْمُصَنِّفُ أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيُّ ﵀ مَوْصُوفًا بِنَزَاهَةِ النَّفْسِ، وَالعِفَّةِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَكَانَ مِنْ وَرَعِهِ ﵀ يَرَى تَرْكَ الدُّخُولِ عَلَى السَّلَاطِينِ، وَمُجَانَبَةَ مُخَالَطَتِهِمْ وَمُقَارَبَتِهِمْ مَخَافَةَ الفِتْنَةِ، وَالجُبْنِ عَنِ الصَّدْعِ بِالحَقِّ، وَفِي هَذَا النَّقْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ ﵀ جَلَاءٌ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ التَّيْمِيُّ ﵀ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ ﵀: "وَكَانَ نَزِهَ النَّفْسِ عَنِ المَطَامِع، لَا يَدْخُلُ عَلَى السَّلَاطِينِ، وَلَا عَلَى المُتَّصِلِينَ بِهِمْ، قَدْ خَلَّى دَارًا مِنْ مُلْكِهِ لِأَهْلِ العِلْمِ، مَعَ خِفَّةِ ذَاتِ يَدِهِ، وَلَوْ أَعْطَاهُ الرَّجُلُ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا لَمْ يَرْتَفِعْ عِنْدَهُ، وَيَكُونُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يُعْطِهِ شيْئًا سَوَاءً" (^٢).
وَقَدْ ذَكَرَ مُتَرْجِمُوهُ فِي قِصَّةِ تَغْسِيلِهِ كَرَامَةً مِنْ كَرَامَاتِهِ!! وَذَلِكَ أَنَّهُ جَذَبَ الخِرْقَةَ مِنْ مُغَسِّلِهِ لِيُغَطِّيَ بِهَا سَوْأَتَهُ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀: "قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الحَافِظُ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ
_________________
(١) (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥) من قسم التحقيق.
(٢) تاريخ الإسلام للذهبي (١١/ ٦٢٥)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٣٦٠).
[ ١ / ٢٢٧ ]
الحَسَنِ ابْنُ أَخِي إِسْمَاعِيلَ الحَافِظِ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ الْأَسْوَارِيُّ الَّذِي تَوَلَّى غَسْلَ عَمِّي - وَكَانَ ثِقَةً - أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَحِّيَ عَنْ سَوْأَتِهِ الخِرْقَةَ لِأَجْلِ غَسْلِهِ، قَالَ: فَجَبَذَهَا إِسْمَاعِيلُ بِيَدِهِ، وَغَطَّى فَرْجَهُ، فَقَالَ الغَاسِلُ: أَحَيَاةً بَعْدَ مَوْتٍ؟! " (^١).
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا حَكَاهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بن حَسَنٍ أَنَّهُ قَالَ: "كُنَّا مَعَ الشَّيْخِ أَبِي القَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي مَسْعُودٍ الحَافِظِ، فَقَالَ: أَطَالَ اللهُ عُمُرَكَ؛ فَإِنَّكَ تَعِيشُ طَوِيلًا وَلَا تَرَى مِثْلَكَ، فَهَذَا مِنْ كَرَامَاتِهِ" (^٢).
_________________
(١) المنتظم لابن الجوزي (١٠/ ٩٠)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ٨٤)، وتاريخ الإسلام له (١١/ ٦٢٨).
(٢) سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ٨٤)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٨٠).
[ ١ / ٢٢٨ ]