ولد ﵀ في حُدُودِ الخَمْسِمِائَةِ (^١).
وَلَمْ تُسْعِفْنَا الْمَصَادِرُ بِذِكْرِ تَفْصِيلٍ كَبِيرٍ فِي نَشْأَتِهِ ﵀، بَيْدَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْتِجَ أَنَّ أَبَا القَاسِمِ التَّيْمِيَّ ﵀ قَدِ اعْتَنَى بِوَلَدِهِ عِنَايَةً فَائِقَةً، فَصَرَفَ هِمَّتَهُ إِلَى طَلَبِ العِلْمٍ فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ مِنْ صِبَاهُ، وَرَغَّبَهُ فِي حُضُورِ مَجَالِسِ العُلَمَاءِ، وَالنَّهَلِ مِنْ عِلْمِهِمْ، مِمَّا كَانَ لَهُ الأَثَرُ الكَبِيرُ فِي ثَقَافَةِ هَذَا العَلَم، رُغْمَ حَدَاثَةِ سِنِّهِ، فَهَا هُوَ ذَا ﵀ لَمْ يُكْمِلْ بَعْدُ عِقْدَهُ الثَّالِثَ وَقَدْ صَارَ مُقَدَّمًا فِي عُلُومِ العَرَبِيَّةِ وَجَرَيَانِ اللِّسَانِ، وَالْمَقْطُوعُ بِهِ فِي سَنَنِ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ عَادَةً إِلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ حِفْظِ كِتَابِ اللهِ، وَقِرَاءَةِ مَا يَحْتَاجُهُ الْمُسْلِمُ مِنْ عِلْمِ الفِقْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدِ اسْتَوْقَفَتْنِي عِبَارَةٌ - إِنْ صَحَّتْ (^٢) - ذَكَرَهَا الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ عِنْدَ تَرْجَمَتِهِ لِأَبِيهِ، تَقْطَعُ بِنُبُوغِ هَذَا الإِمَامِ، وَتَقَدُّمِهِ فِي مَبَاحِثِ العِلْمِ، يَقُولُ ﵀: "وَكَانَ وَالِدُهُ يَرْوِي عَنْهُ، وَدَرَسَ الفِقْهَ عَلَيْهِ" (^٣).
_________________
(١) ينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ٨٣)، وتاريخ الإسلام له (١١/ ٦٢٧)، وطبقات الشافعيين لابن كثير (٢/ ٥٩٢)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٣٠٢)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٣٦٠).
(٢) أقول هذا احترازا من التصحيف الكثير الذي شَوَّهَ طَبْعَة كِتاب الفُقَهاء الشَّافعيين لابن كثير!!
(٣) طبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير (٢/ ٥٩٣).
[ ١ / ٣٣ ]
وَمِثْلُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ تَكْفِي لِلتَّنْوِيهِ بِهَذَا العَلَمِ، وَالإِشَادَةِ بِهِ، وَيَكْفِيهِ أَنْ يَتَتَلْمَذَ لَهُ أَبُوهُ قِوَامُ السُّنَّةِ الأَصْبَهَانِيُّ ﵀.
ويَشْهَدُ لِنُبُوغِهِ وَشِدَّةِ حِرْصِهِ أَنَّهُ أَشَارَ عَلَى وَالِدِهِ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ ﵀ أَنْ يَجْمَعَ كِتَابًا فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَكَانَ يَتَعَاهَدُهُ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الأَمْرِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي آخر النُّسْخَةِ الخَطِّيَّةِ لكِتَابِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لِوَالِدِهِ، والْمَحْفُوظَةِ بِمَكْتَبَةِ الدِّرَاسَاتِ العُلْيَا بِالجَامِعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ:
"… وَأَنْ يَتَعَهَّدَ وَلَدِي أَبَا عَبْدِ اللهِ بِرَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، وَأَنْ يُنْزِلَهُ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ مِنْ جَنَّتِهِ، فَهُوَ كَانَ السَّبَبَ فِي جَمْعِ هَذَا الكِتَابِ، وَهُوَ رَغَّبَنِي فِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ" (^١).
فَانْظُرْ إِلَى فَضْلِ هَذَا الشَّابِّ ﵀، وَكَمَالِ عَقْلِهِ، وَبُعْدِ نَظَرِهِ، كَيْفَ كَانَ سَبَبًا فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي عَلَا شَأْنُهُ، وَسَارَ النَّاسُ بَعْدَهُ بِسَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ عِنْدَ الكَلَامِ عِنْدَ تَعْدَادِ مُؤَلَّفَاتِ وَالِدِهِ رحمهُما الله، وَسَتَبْقَى آثَارُ هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ فِي مَوَازِينِ حَسَنَاتِهِمَا إِنْ شَاءَ اللهُ، وَمَنْ دَلَّ عَلَى هُدًى أَوْ خَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ.
_________________
(١) الوَرَقَةُ الأَخِيرَةُ مِن مَخْطُوطِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لِقِوَامِ السُّنَّة التَّيْمِيِّ ﵀ المحفوظة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم: (٩٤٦ - ٦٥٣).
[ ١ / ٣٤ ]