شَهِدَ العُلَمَاءُ لِلْمُصَنِّفِ أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ ﵀ بِالإِمَامَةِ فِي العُلُومِ، وَسَلَّمُوا لَهُ بِالتَّقَدُّمِ فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْهَا عِلْمُ الفِقْهِ، بَلْ قَالَ تِلْمِيذُهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ (ت: ٥٨١ هـ) ﵀: وَأَمَّا عِلْمُ الفِقْهِ، فَقَدْ سَرَتْ فَتَاوَاهُ فِي البَلَدِ وَالرَّسَاتِيقِ" (^١).
وَقَدْ عَدَّهُ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ مِنَ الفُقَهَاءِ الشَّافِعِيِّينَ مِنْهُمْ:
أ - الإِمَامُ ابْنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١ هـ) ﵀، إِذْ يَقُولُ: "كَانَ إِمَامًا لِلشَّافِعِيَّةِ فِي وَقْتِهِ" (^٢).
ب - جَمَالُ الدِّينِ الإِسْنَوِيُّ (ت: ٧٧٢ هـ) ﵀، إِذْ تَرْجَمَ لَهُ فِي كِتَابِهِ طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّة (^٣).
ج - الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرِ الدِّمَشْقِيُّ (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀ بِقَوْلِهِ: "أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ" (^٤).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ٨٣). والرَّسَاتِيقُ: جَمْعُ رُسْتُق: فارسي معرب، وهي بُيُوتٌ مُجْتَمِعَةٌ، الصحاح للجوهري (٤/ ١٤٨١)، ولسان العرب (١٠/ ١١٦).
(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن قيم الجوزية (ص: ١٣٤).
(٣) طبقات الفقهاء الشافعية للإسنوي (١/ ٣٥٩).
(٤) طبقات الفقهاء الشافعية لابن كثير (٢/ ٥٩١).
[ ١ / ١١٤ ]
د - الإِمَامُ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ (ت: ٨٥١ هـ) ﵀، إِذْ تَرْجَمَ لَهُ فِي كِتَابِهِ طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّةِ (^١)
هـ - ابْنُ العِمَادِ الحَنْبَلِيُّ (ت: ١٠٨٩) ﵀ حَيْثُ يَقُولُ فِي تَرْجَمَتِهِ: "أَبُو القَاسِمِ التّيْمِيُّ الطَّلْحِيُّ الأَصْبَهَانِيُّ الشَّافِعِيُّ" (^٢).
وَمَيْلُ الْمُصَنِّفِ ﵀ إِلَى فِقْهِ الشَّافِعِيَّةِ وَاضِحٌ فِي كِتَابِهِ هَذَا، فَغَالِبًا مَا يُصَدِّرُ كَلَامَهُ عَلَى الْمَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ بِكَلَام الشَّافِعِيَّةِ، ثُمَّ يُثَنِّي بِذِكْرِ أَقْوَالِ المَذَاهِبِ الأُخْرَى، وَكَانَتْ عِنَايَتُهُ بِالنَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ الْمَذَهَبِ كَبِيرَةً، فَقَدْ نَقَلَ فِي مَوَاطِنَ عَدِيدَةٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَالْمُزَنِيِّ وَالْمَاوَرْدِي وَالشِّيرَازِي وَغَيْرِهِمْ ﵀.
وَلَمْ يَكْتَفِ ﵀ بِهَذَا فَقَطْ، بَلْ كَانَ يَحْشُدُ فِي مَوَاطِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ فِي الْمَذْهِبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الوَاحِدَةِ، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ لِمَا يَرَاهُ قَوِيًّا مِنْهَا، وَيُوَجِّهُه (^٣).
وَألْمَحَ فِي مَوَاطِنَ ﵀ إِلَى مَذْهَبِهِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِهِ هَذَا، فَقَالَ: "وَأَمَّا إِمْرَارُ اليَدِ عَلَى الْبَدَنِ فَمُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ وَاجِبٌ" (^٤).
وَكَانَ ﵀ يُكْثِرُ مِن اسْتِعْمَالِ مِثْلِ هَذِهِ العِبَارَاتِ: قَالَ أَصْحَابُنَا، دَلِيلُنَا، وَنَحْوِهَا عِنْدَ عَرْضِ أَقْوَالِ الشَّافِعِيَّةِ.
إِلَّا أَنَّهُ مِنْ خِلَالِ تَتَبُّعِ مَسَائِلِ هَذَا الكِتَابِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِمَامَ أَبَا القَاسِمِ
_________________
(١) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٣٠١).
(٢) شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (٤/ ١٠٥).
(٣) ينظر: ما سيأتي في منهج المصنف ﵀ في كتابه.
(٤) ينظر (ص: ١٥٣) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١١٥ ]
التَّيْمِيَّ ﵀ لَمْ يَكُنْ جَامِدًا عَلَى الْمَذْهَبِ، مُقلِّدًا لِأَئِمَّتِهِ، بَلْ كَانَ طَلَبُ الحَقِّ بِدَلِيلِهِ إِمَامَهُ، وَكَانَ يَقُولُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الأَدِلَّةُ الصَّرِيحَةُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِغَرِيبٍ عَمَّنْ لُقِّبَ بِتِلْكَ الأَلْقَابِ الرَّنَّانَةِ كَشَيْخِ الإِسْلَامِ، وَقِوَامِ السُّنَّةِ وَنَحْوِهِمَا، وَسَأَشِيرُ عِنْدَ حَدِيثِي عَنْ مَنْهَجِ الْمُصَنِّفِ ﵀ فِي عَرْضِ الْمَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَّبِعًا لِلدَّلِيلِ، فَتَرَاهُ ﵀ كَثِيرًا مَا يُفْصِحُ عَنِ اخْتِيَارِهِ وَتَرْجِيحِهِ وَيُعَلِّلُ ذَلِكَ بِعِبَارَاتٍ مَتِينَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: "وَالسُّنَّةُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهَا" (^١)، وَقَوْلِهِ: "وَقَوْلُ مَن اتَّبَعَ الحَدِيثَ أَوْلَى" (^٢).
وَتَرَاهُ فِي مَوَاطِنَ لَا يَسْتَنْكِفُ عَنْ تَوْهِينِ أَقْوَالٍ لِفُقَهَاءَ أَعْلَامٍ تَيَقَّنَ مُخَالَفَتَهَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالدَّلِيلِ الصَّرِيحِ (^٣).
وَمِمَّا يُقَوِّي أَنَّهُ ﵀ سَلَكَ مَسْلَكَ الإِجْتِهَادِ، دُونَ تَقَيُّدٍ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ تَرْجِيحُهُ غَيْرَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ بَيْنَ ثَنَايَا شَرْحِهِ هَذَا كَمَا سَيَأْتِي بِتَفْصِيلٍ عِنْدَ الحَدِيثِ عَنِ مَنْهَجِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي عَرْضِ القَضَايَا الفِقْهِيَّةِ.
_________________
(١) ينظر: (٣/ ٢٠٢) من قسم التحقيق.
(٢) ينظر: (٣/ ٢٢٧) من قسم التحقيق.
(٣) ينظر: (٣/ ١٢٧ و٢١٤) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١١٦ ]