لَقَدْ كَانَ لِلْأُسْرَةِ الَّتِي تَرَعْرَعَ فِيهَا أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيُّ ﵀ أَكْبَرُ الأَثَرِ فِي نُبُوغِهِ، فَقَدْ نَشَأَ فِي بَيْتٍ يَمُوجُ بِالعِلْمِ، مَشْهُودٍ لَهُ بِالشَّرَفِ وَالسُّؤْدَدِ، مَعْرُوفِ بِالصَّلَاحِ وَالدِّيَانَةِ، وَقَدْ حَرَصَ أَبُوهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى تَنْشِئَتِهِ نَشْأَةً صَالِحَةً مُنْذُ نُعُومَةٍ أَظْفَارِهِ، وَكَانَ يُحْضِرُهُ إِلَى مَجَالِسِ العِلْمِ وَالحَدِيثِ فِي أَوَّلِ أَيَّامٍ صِبَاهُ.
وَلَعَلَّ النَّقْلَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ سَابِقًا عَنِ الحَافِظِ أَبِي مُوسَى الْمَدِينِي ﵀ أَنَّ الإِمَامَ التَّيْمِيَّ ﵀ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ الوَرْكَانِيَّةِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ، كَافٍ لِلدِّلَالَةِ عَلَى تَبْكِيرِهِ فِي الطَّلَبِ، وَهَذِهِ السِّنُّ هِيَ أَقَلُّ مَا قِيلَ فِي العُمُرِ الَّذِي يُجْزِئ فِي تَحَمُّلِ الحَدِيثِ.
وَنَقَلَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي تَارِيخِ الإِسْلَامِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي القَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَلِيَّكَ الَّذِي قَدِمَ أَصْبَهَانَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ (^١)، فَيَكُونُ عُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ خَمْسَ سَنَوَاتٍ.
وَسَمِعَ مِنْ مُحَمَّدٍ الطَّهْرَانِيِّ، كَمَا تَقَدَّمَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ (^٢)، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ حِينَئِذٍ عَشْرُ سَنَوَاتٍ.
_________________
(١) ينظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١١/ ٦٢٤).
(٢) ينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ٨٢)، وتذكرة الحفاظ له أيضًا (٤/ ١٢٧٨).
[ ١ / ٦٦ ]
وَهَذِهِ النُّقُولُ تَدُلُّ دِلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى حِرْصِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدٍ وَالِدِ أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ ﵀ وَعِنَايَتِهِ بِابْنِهِ، وَالحِرْصِ عَلَى إِحْضَارِهِ مَجَالِسَ العِلْمِ وَسَمَاعِ الحَدِيثِ فِي أَوَّلِ أَيَّامٍ صِبَاهُ.
بَلْ إِنَّ حِرْصَ الوَالِدِ أَبِي جَعْفَرٍ ﵀ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، وَإِنَّمَا تَجَاوَزَهُ إِلَى دَرَجَةِ أَنَّهُ كَانَ يَنْتَقِي لَهُ الشُّيُوحَ، فَيُرَغِّبُهُ فِي حُضُورِ مَجَالِسِ مَنْ عُرِفَ بِالدِّيَانَةِ وَالإِتْقَانِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ حُضُورِ مَجَالِسِ مَنْ غُمِزَ فِي عَدَالَتِهِ، أَوْ طُعِنَ فِي حِفْظِهِ، فَقَدْ نَقَلَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ عَنْ أَبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِي تِلْمِيذِ أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ ﵀ قَالَ (^١): "سَأَلْتُ أَبَا القَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بنَ مُحَمَّدِ بن الفَضْلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبِي عَبْدِ اللهِ (^٢)، فَسَكَتَ سَاعَةً، وَتَوَقَّفَ فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعَ الكَثِيرَ، وَخَالَفَ أَبَاهُ فِي مَسَائِلَ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ مَشَايِخُ الوَقْتِ، وَمَا تَرَكَنِي أَبِي أَسْمَعُ مِنْهُ، كَانَ أَخُوهُ خَيْرًا مِنْهُ".
وَقَدْ سَارَ الإِمَامُ قِوَامُ السُّنَّةِ التَّيْمِيُّ ﵀ عَلَى هَذَا المِنْوَالِ، فَأَمْضَى حَيَاتَهُ فِي تَحْصِيلِ العِلْمِ وَطَلَبِ الحَدِيثِ، وَالتَّفَقُّهِ عَلَى جِلَّةِ مَشَايِخِ بَلَدِهِ أَصْبَهَانَ قَبْلَ أَنْ تَتُوقَ نَفْسُهُ إِلَى الرِّحْلَةِ.
* * *
_________________
(١) ينظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ١١٦٨)، وسير أعلام النبلاء له أيضًا (١٨/ ٣٥٣).
(٢) هو عبد الرحمن بن أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده الأصبهاني (ت: ٤٧٠ هـ) ﵀. تنظر ترجمته في السير للذهبي (١٨/ ٣٤٩) فما بعدها، طبقات الحنابلة لأبي يعلى (٢/ ٢٤٢) والعبر للذهبي (٣/ ٢٧٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
[ ١ / ٦٧ ]