لَقَدْ كَثُرَ الثَّناءُ وَالْمَدْحُ مِنَ العُلَمَاءِ فِي حَقِّ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللهِ التَّيْمِيِّ، عَلَى الرُّغْمِ مِنْ قِصَرٍ مُدَّةِ حَيَاتِهِ، وَهَكَذَا فَقَدْ شَهِدَ لَهُ الْأَئِمَّةُ بِالفَضْلِ وَالعِلْمِ، وَفِيمَا يَلِي عَرْضِ لِأَقْوَالِ العُلَمَاءِ فِي حَقِّهِ ﵀، مُرَتَّبَةً عَلَى سِنِي وَفَيَاتِ أَصْحَابِهَا:
قَالَ القَفْطِيُّ (ت: ٦٤٦ هـ) ﵀: "مُحَمَّدُ ابن الحَافِظِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ الأَصْبَهَانِيُّ، كَانَ شَابًّا، وَفَاقَ فِي الفَضْلِ شُيُوخَ أَهْلِ زَمَانِهِ، لَكِنَّهُ اسْتَوْفَى أَنْفَاسَهُ، وَطُوِيَ قِرْطَاسُهُ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَفُجِعَ وَالِدُهُ بِشَبَابِهِ، وَلَهُ شِعْرُ غَزَلٍ" (^١).
وَوَصَفَهُ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀ بِقَوْلِهِ: "وَنَشَأَ، وَصَارَ إِمَامًا فِي اللُّغَةِ حَتَّى مَا كَانَ يَتَقَدَّمُهُ كَبِيرُ أَحَدٍ فِي الفَصَاحَةِ وَالبَيَانِ وَالذَّكَاءِ، وَكَانَ أَبُوهُ يُفَضِّلُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي اللُّغَةِ وَجَرَيَانِ اللِّسَانِ" (^٢).
وَأَثْنَى عَلَيْهِ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀، وَبَيَّنَ مَقَامَهُ فِي العُلُومِ
_________________
(١) المحمدون من الشعراء وأشعارهم للقفطي (رقم: ٩٦).
(٢) ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٣)، وقد نقل هذه العبارة كُلُّ مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْإِمَام كَابْنِ كَثِيرٍ فِي طَبَقاتِ الفُقَهاء الشَّافعيين (٢/ ٥٩٢ و٥٩٣)، وابن قاضي شهبة (١/ ٣٠٢) وابن العماد في شذرات الذهب (٤/ ١٠٦) مع تغييرٍ يَسِيرٍ.
[ ١ / ٣٥ ]
الشَّرْعِيَّةِ، فَقَالَ عَنْهُ: "وَكَانَ وَالِدُهُ يَرْوِي عَنْهُ، وَدَرَسَ الفِقْهَ عَلَيْهِ" (^١).
وَقَالَ كَحَالَةُ ﵀ عِنْدِ ذِكْرِهِ: "فَاضِلٌ، لَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ" (^٢).
وَهَذَا الثَّنَاءُ العَطِرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَعْلَامِ يُؤَكِّدُ مَنْزِلَتَهُ العِلْمِيَّةَ الرَّفِيعَةَ، وَيَشْهَدُ لِعُلُوِّ كَعْبِهِ فِي العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ، وَيَقْطَعُ بِتَقَدُّمِ هَذَا الإِمَامِ وَرِيَاسَتِهِ، حَتَّى إِنَّهُ بَزَّ أَقْرَانَهُ، وَفَاقَ أَسْنَانَهُ، وَلَوْ كَتَبَ اللهُ لَهُ عُمُرًا أَطْوَلَ لَطَبَّقَتْ شُهْرَتُهُ الْآفَاقَ، وَلَسَارَ بِذِكْرِهِ النَّاسُ فِي كُلِّ الأَقْطَارِ.
وَقَدِ اشْتَهَرَ هَذَا الإِمَامُ العَلَمُ ﵀ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، عَلَى الرُّغْمِ مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ، وَلَهُ شِعْرُ غَزَلٍ أَوْرَدَهُ القَفْطِيُّ ﵀، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ (^٣): [مِنَ الطَّوِيلِ]
أَحَقًّا خَلِيلِي أَنْتَ أَوَّلُ نَاكِبٍ … عَنِ العَهْدِ تَجْفُونِي وَتَهْجُرُ جَانِبِي
أَتَرْضى خَلِيلِي أَنَّ قَلْبِي نُهْبَةً … تَعَاوَرَهَا أَيْدِي النَّوَى وَالنَّوَائِبِ
يَدُ الدَّهْرِ لَا صَحَّتْ رَمَتْنِي بِأَسْهُمٍ … نَسِيتُ لَهَا مَا فَوَّقَتْ بِالحَوَاجِبِ
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: [مِنَ الطَّوِيلِ]
هَوَى البِيضِ لَا يُجْدِي عَلَى المَرْءِ طَائِلًا … وَإِدْمَانُ شُرْبِ الرَّاحِ يَجْنِي الغَوَائِلَا
وَكَمْ تَبْتَغِي أَنْ تَعْدِلَ الدَّهْرَ دَائِبًا … وَدَهْرُكَ أَوْلَى أَنْ يَرَى لَكَ عَاذِلَا
وَمَا العُمْرُ وَالأَيَّامُ إِلَّا وَسَائِطًا … جُعِلْنَ إِلَى نَيْلِ المَعَالِي وَسَائِلَا
_________________
(١) طبقات الفقهاء الشافعيين (٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣).
(٢) معجم المؤلفين لكحالة (٩/ ٦١ - ٦٢).
(٣) المحمَّدُونَ مِنَ الشُّعراء للقفطي (رقم: ٩٦).
[ ١ / ٣٦ ]